الشعر ديوان العرب، وسجل تاريخهم وبطولاتها، وقيمهم، ونظرتهم للأمور. ولأن العرب، في الأزمنة الماضية، كانوا أمة سماعية، أكثر منهم أهل كتابة وقراءة، فقد كان تأثير الشعر كبيرا في حياتهم، وكان وسيلة ذات تأثير في معرفة بعضهم بعضا. قال عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه: "الشعر جَزل من كلام العرب يُسكَّن به الغَيظ وتُطفأ به الثائرة ويتبلَّغ به القومُ في ناديهم وُيعطى به السائل". وقال ابنِ عبّاس، رضي الله عنه: "الشعر عِلْم العرب وديوانها فتعلَّموه وعليكم بشعر الحِجاز"، وربما كان تخصيصه لشعر الحجاز نظرا لفصاحتهم. وقال معاويةُ ابن ابي سفيان، رضي الله عنه، لعبد الرحمن بن الحكم: "يا ابن أخي إنك شُهرت بالشعر فإياك والتشبيبَ بالنّساء فإنك تغرّ الشريفة في قومها والعفيفة في نفسها والهجاء فإنك لا تَعْدو أن تُعادي كريماً أَو تَستثير به لئيماً. ولكن افخر بمآثر قَومك وقُل من الأمثال ما تُوَقّر به نفسك وتؤدِّب به غيرك".
وعلى مر الأزمنة الماضية، كان للعرب نظرة في الشعر، تصنيفه والمفاضلة بينه. وكل له معياره ودواعيه في المفاضلة. وفي باب الفخر، قيل أن أفخر بيت شعر قاتله العرب ما يلي:
قال بعضهم أن أفخر بيت قالته العرب قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم
حسبت الناس كلهم غضابا
وقال بعضهم بل قول جرير:
أحلامنا تزن الجبال رزانة
ويفوق جاهلنا فعال الجهّل
وقيل أن البيت للفرزدق، وأن صحته:
أحلامنا تزن الجبال رزانة
وتخالنا جنا إذا ما نجهـل
وقال آخرون أن أفخر بيت قالته العرب قول عمرو بن كلثوم:
بأنا نـورد الرايـات بيضـا
ونصدرهن حمرا قد روينـا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا
ويشرب غيرنا كدرا وطينـا
وقال بعضهم أن الأفخر قول أبي الطيب المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلـى أدبـي
وأسمعت كلماتي مـن بـه صمـم
أنام ملء جفوني عـن شواردهـا
ويسهر الخلق جراهـا ويختصـم
وجاهل مده فـي جهلـه ضحكـي
حتـى أتتـه يـد فراسـة وفــم
إذا نظرت نيـوب الليـث بـارزة
فـلا تظنّـنّ أن الليـث يبتـسـم
سيذكر الجمع ممن ضـم مجلسنـا
بأنني خير من تسعـى بـه قـدم
فالخيل والليل والبيـداء تعرفنـي
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
كم تطلبون لنـا عيبـا فيعجزكـم
ويكـره الله ماتأتـون والـكـرم
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي
أنا الثريـا وذان الشيـب والهـرم
وقيل أن أفخر بيت قول الأخوص:
ما من مصيبة أو نكبة أرمى بها
إلا تشرفنـي وترفـع شأنـي
وإذا سألت عن الكرام وجدتني
كالشمس لا تخفى بكـل مكـانِ
وقيل أن أفخر بيت قالته العرب، قول عمرو بن كلثوم:
اذا بلغ الفطام لنا رضيعُ
تخر له الجبابر ساجدينا
وقال بعضهم أن أفخر بيت قول الفرزدق:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفـوا
وقيل بل الأفخر قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح
وقيل أن افخر بيت كان للأمير ابي فراس الحمداني حين قال :
نحـنُ قـومٌ لا توسُّـط بيننـا
لنا الصدرُ دُون العالمينَ أو القبرُ
وقيل أن من أفخر ما قالته العرب قول العلامة الحسن بن أحمد الضمدي:
أسود قتال من مغيـد وعلكـمُ
يسايرهم نحو العدا الذئب والنسر
يهابهم حتى الجمـاد ولـو هـمُ
مع الليل أعوان لما طلع الفجـر