كنت بزيارة لأحدى دور الأيتام بدمشق وكان الأولاد يلعبون وبعدها سأروي لكم ما جرى بالتفصيل ؟
وحين انتهى وقت اللعب وحان موعد الغداء,وكان صغار الأيتام الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و6 سنوات, ينتظرون دوراً إضافياً على السيارات الكهربائية. ولمًّا كان من الصعب منحهم وقتاً آخر, وطرداً لتنهداتهم, اقتربت منهم ممازحاً: "يللا ياشباب حان وقت الغداء, لنسرع قبل أن يبرد الطعام"
أمسكت بيد أصغرهم, أساعدهم على اتخاذ القرار بلا تردد, لينفلتوا من مغناطيس التعلّق بألعاب لا تقاوم, فأمسك بيدي بقوة و كأنه يهم بالسقوط!! غير أنّ آخر تعلّق بيسراي متشبثاً بها أكثر من زميله, وغرز ثالث أظفاره في ساعدي الأيمن بشكل لم أستطع تفسيره لأول وهلة, فرابع وخامس وسادس توزعوا يديّ بالتساوي, وهم يشدّون ويتسابقون بالتقرّب, و القفز فرحاً.
أدركت بلحظات كم هم جائعون...,ليس للقمة...ليس للعبة.... بل للمسة.... شعرت وكأني في خضمّ محيط هائج تتلاطم أمواجه, وقطع اللحم هذه تتقاذفها العواصف, فرأوا في يديّ طوق نجاة, ورمزاً لخلاص, وتعلقاً بأمل ولو لدقائق. شعور من وجد لقية ثمينة, ويتمسك بها لئلا تضيع .
يجربون إحساساً لم يألفوه قبلاً, إحساس بوجود والد يستظلون به, ولا يريدون منه فكاكاً يتلفتون حولهم خوفاً من ضياع لحظة....وتباهياً أمام أقرانهم الذين لم تسنح لهم الفرصة.
تجربة لايريدون استبدالها بمائدة عامرة لجائع, ولا بألعاب الأحلام لمحروم.....جميعها تأتي بمراتب متأخرة.... بعد لمسة حنان...ومسحة على رأسٍ... لم تداعبه سوى آلة الحلاقة الجائرة.. التي تجعلهم جميعاً متشابهين, مع تفاصيل لباس موحد... و ملامح يتم موحد.....و أعراض حرمان موحد.. ترتسم على محيّاهم.
كم من الضروري التبرع بالمال, والطعام,والثياب, و البذل في هذا السبيل واجب اجتماعي وهو "حق معلوم للسائل والمحروم"يجزى بها المرء أجره. إلا أن ابتسامة, أو لمسة, أو مسحة,
أو ربتة, قد يكون لها الأثر الأكبر لمتلقيها, الذي قد يقدر قيمتها كجائزة كبرى.....دون أن تكلف قرشاً واحداً.ً
رغم أن عمري الأن قارب 32 عاما شعروا هؤلاء الأطفال بأنني ربما أمثل لهم
الأب الذي أفتقدوه يوما"
قلب الأسد