منذ ألف سنة و سنة .... ولدت لأب موظف و أم تحمل الإبتدائية
تربيت في أسرة متواضعة و لكن متحابة...
كان أبي مخلصا"في عمله وبين أسرته...
و كانت أمي عابدة في صومعة زوجها و أولادها...
لم نكن نلبس أفضل الثياب و لكننا كنا نلبس أنظفها.....
و لم نكن نأكل أغلى الطعام و لكننا كنا نأكل أحسنه....
و لم نكن ننام في أفخر الأسرة و لكننا كنا ننام في أريحها...
في صغري لم أكن أسمع كلمة سني ..شيعي...درزي...أورثودكسي...كاثوليكي...
كل ما كنت أعرفه عن الأديان و الطوائف ..مسلمين و مسيحيين...
لم يكن لدي سوى عدو واحد اسمه إسرائيل...
لم يكن لدي سوى هم واحد اسمه الإمتحان...
كنا نستمتع بمتابعة (أفلام كرتون) على القناة الوحيدة المتوفرة في سوريا و نضحك حتى
الغشي...
و كنا نصنع طائرات الورق و نطير معها بأحلامنا إلى أخر الدنيا...
و في الامسيات كنا نلعب السبع بلاطات صبيانا و بنات.....
في العطلات كنا نخرج إلى عين الفيجة و الزبداني كبارا و صغارا لنفترش العشب و نلتحف
السماء...
نساء يحضرن السلطة و الكبة و رجال يجهزون النار و أولاد يلعبون....
و في الصيف لا أجمل من العودة إلى الضيعة...إلى البساطة و البركة و العيشة بلا هم....
كان دخل والدي الوحيد راتبه و كان يكفينا...و تسألون كيف؟؟...
و أجيبكم ....
لم نكن نشتري إيريال فلم يكن عندنا غسالة أوتوماتيك...
و لم نكن نعرف بامبرز...
و لم نكن نعرف كورن فليكس...
و لم نشتري أبدا نسكافيه و كافي ميت...
و لم نغير طقم الصالون كل سنة.!!
لم ننفق عل بلايستيشن أو على غيمبوي أو على أتاري..
ألعابنا كنا نصنعها بأنفسنا .......أو نلعب ألعابا جماعية مع أولاد حينا...
لم نكن نعرف الألبسة الجديدة إلا في الأعياد أو ما تخيطه لنا أمنا.....
و عشنا سعداء و تربينا على الحمد لله و الله يديمها نعمة....
أكبر كنوزنا كان الرضى و خير أدويتنا كانت القناعة....
و لكن في الكتب لم يكن يكفينا شيئ و لم نكن نقنع بحد....
تسلينا بأسامة و سمير و ميكي و تان تان و سوبرمان و ألغاز تختخ...
و قرأنا المعرفة والناجحون و تاريخ العرب....
و اطلعنا على القرأن
و حفظنا أشعار المتنبي و نزار قباني و محمود درويش...
و أعجبنا بطارق بن زياد و خالد ابن الوليد و جيفارا و جميلة بوحيرد و يوسف العظمة و فارس
الخوري....
ما كان محظورا قراءة كتب الشافعي و البخاري ولا كتب ماركس و مارتن لوثر...
و كبرنا.....و كبر همنا ....
لم نعد نجد وقتا لنجلس مع أبنائنا...يا ترى كيف كان والدي يفعل ذلك؟؟؟
و لم نعد نقنع بدخلنا....لم يعد يكفينا مع أنه عشرات أضعاف دخل أبي!!!
كيف لا و كل يوم لديك شيئ جديد...
أبناؤنا ما عادوا أطفال ....ما عادوا يلعبون كالأطفال...
أبناؤنا تغيرت همومهم...تغيرت أحلامهم...
يتسمرون ساعات و ساعات محملقين في شاشات حواسيبهم...
يقضون ساعات و ساعات يتابعون أبطال الديجيتال و نجوم سوبر ستار...
أحاديثهم ..أخر الكليبات و أحدث نغمات الموبايل...
أبناؤنا ما عادوا يقرؤون..الهم إلا كتبهم المدرسية أو الجامعية...ليس لديهم وقت للقراءة...
حتى الكلام تغيرت مفرداته...هاي داد ...ميرسي...بونجور...بونسوارين...
ليتهم يدرسون الإنكليزية كما يجب ..ليتهم يقرؤون لشكسبير....
ليتهم يتعلمون الفرنسية كما يجب ليتهم يقرؤون فيكتور هيغو...
أبناؤنا يستمعون الراب و يرقصون على إيقاعها...هل هي موسيقى أم نشيد حرب...؟؟!!.
صدمي ابني عندما سمعته يردد كلمات أغنية إنكليزية يقول فيها ((سأقتلك يا أمي !!!؟؟)
أين هي فيروز من اهتمام أطفالنا...
كنت صغيرا..عندما أمرض ترنم لي أمي أغنيات فيروز فأنسى ألمي و أنام...
يصدمني ابني كل يوم عندما يتحدث عن مدرسه أنه من الطائفة الفلانية أو عن صديقه أنه من
المذهب العلاني!!!!
أبناؤنا ما عادوا يتذوقون المكدوس و الزعتر والشنكليش.... ما عادوا يستمتعون بالكبة و
المحاشي و المشاوي...
في المطاعم يطلبون لازانيا ...سباغيتي...بيتزا...كوردون بلو!!...
مع كل ذلك أنا لا ألوم أولادي...
أنا ما أعطيتهم حقهم...!!
نعم...
أنا ما استيقظت صباحا معهم...ما أفطرت معهم زعتر و شنكليش...
أنا ما جلست معهم نستمع فيروز....
أنا ما تغديت معهم كبة أو محاشي...
أنا ما افترشت الأرض معهم في عين الفيجة...مطعم أبو وليد كان أكثر راحة لي...و أكثر حفظا
لبريستيجي....
أنا ما زرت مدارسهم كما كان يفعل أبي...
ما درستهم ....ما شرحت لهم.... المدرس الخصوصي ريحني...
زوجتي ما غسلت ثيابهم ..غسالة أوتوماتيك فعلت ذلك...
زوجتي ما رنمت لهم أغاني فيروز..شغالة إندونيسية صرخت بهم فناموا من خوفهم...
أنا ما صنعت لهم طائرة ورقية...شراء بوي غيم كان أسهل لي...
سا محوني يا أولادي...سامحوني...أنا ضيعتكم...
سامحوني .....
الموضوع كتبته بعد أن وجدت بأن هناك أمور كثيرة بدأت تتغير فينا
لماذا لم نعد كما كنا ؟ حتى الأبناء لايرون أبائهم وأمهاتهم
يفضلون اشياء أخرى عليهم !
ما أجمل أيام الماضي
قلب الأسد