عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"أَنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ".
أخرجه أحمد (6/441 ، رقم 27525) ، والطبرانى كما فى مجمع الزوائد (5/239). وابن عساكر (19/254). وأخرجه أيضًا : الطيالسى (ص 131 ، رقم 975) وصححه الألباني (صحيح الجامع ، رقم 1551).
وما أكثرهم في هذا الزمان، لذلك نتمنى على الإخوة الكرام عدم الرجوع في الفتاوى لأي كان وتحري فتاوى العلماء الكبار المشهود لهم بالعلم، أو المجامع الفقهية
إن الفتوى منصب عظيم الأثر، بعيد الخطر، ذلك أن المفتي قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، ونائب عنه في تبليغ الأحكام وتعليم الأنام، بل إنه يوقع عن الله جل شأنه، فهو من هذا الوجه كما قال الشاطبي :«شارع واجب اتباعه، والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق»، انظر:( الموافقات، للشاطبي، ج4/ص244-246).
فإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ لذا لما كانت للفتوى هذه الجلالة والمكانة، رأيت من المناسب بل من الواجب أن أحذّر المستعجلين بالفتوى الذين يقحمون أنفسهم في هذا المضيق مجترئين على القول في دين الله بغير أهلية لهذا الأمر
الخطير، دون أن يحصّلوا الحد الأدنى من الشروط اللازمة للفتوى، بل لعلك لو سألتهم عن الفرض والواجب والمندوب والمكروه والحرام لقابلك بالصمت أو أجاب بما يدل على الجهل الفاضح.
ومن هنا فقد عرف السلف رضي الله عنهم للفتوى كريم مقامها وعظيم منزلتها وأثرها في الدين وحياة الناس فلقد كانت المسألة تدار على أكثر من مائة صحابي وكلهم يقول لا أدري!! حتى ترجع الى الأول.
فعن أبي ليلى رضي الله عنه قال: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا على هذا وهذا على هذا حتى ترجع الى الأول وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ودّ أخاه كفاه!.
وقال عطاء بن السائب: أدركت أقواما إن كان أحدهم ليُسأل عن شيء فيتكلم وإنّه ليرعد . (انظر: أعلام الموقعين، لابن القيّم، ج4/ص218).
وقال ابن مسعود:«والله إنّ الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون» (انظر: أعلام الموقعين، ج4/ص206).
وسئل القاسم بن محمد - أحد الفقهاء السبعة بالمدينة - عن شيء، فقال: أنّي لا أحسنه، فقال له السائل: إنّي جئتك لا أعرف غيرك، فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي! والله لا أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس الى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال: والله لأن يقطع لساني أحبّ إليّ من أن أتكلّم بما لا علم لي به».
وسئل الشعبي عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تستحي من قول «لا أدري» وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا:{سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا}.
فكيف لو رأى الشعبي زماننا؟ وإقدام من لا علم له على الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب ولا علم له بالأصول ولا الفروع، ولم يتصل بالقرآن والسنة إتصال الدارس المتعمق بل اتصال الخاطف المستعجل، وإنما كوّن ثقافته من قراءات سريعة في كتب المعاصرين، أما المصادر الأصلية فبينه وبين قراءتها مائة حجاب وحجاب، ولو قرأها لما فهمها وهضمها.
بل لقد حدا ببعض الناس أن يفتوا في أمور خطيرة بمنتهى السهولة والسذاجة، لو أنّها عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر ليستشيرهم ويستنير برأيهم.
ومن ثم فقد قرر العلماء أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ويتعيّن على وليّ الأمر منعه.
ولقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على هؤلاء الذين يقتحمون حمى الفتوى ولم يتأهلوا لها، فقيل له: أجُعِلْتَ محتسبا على الفتوى (والمحتسب هو المراقب)؟! فقال: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب. (انظر: اعلام الموقعين، ج4/ص317).
وهذا الإمام مالك - رحمه الله تعالى - يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: إنّي لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي الى الآن، وسمعه ابن مهدي يقول:«ربما وردت عليّ المسألة فأسهر فيها عامة ليلي».
وقال ابن حسّان: سئل مالك عن اثنتين وعشرين مسألة، فما أجاب ألا في اثنتين بعد أن أكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله».
وقال مصعب: سئل مالك عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال له السائل: إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أُعلم بها الأمير، وكان السائل ذا قدر، فغضب مالك وقال: مسألة خفيفة سهلة، ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى:{ إنّا سنلقي عليك قولا ثقيلا}، فالعلم كله ثقيل!!.
فلست أدري إذا كان الناس في زماننا قد فاقوا قدر الإمام مالك في العلم وهم يسهرون على شاشات التلفاز الى أواخر الليل أو وهم يلعبون الشدة والشطرنج ويحتسون فنجان القهوة وينقرون بالنرجيلة ويفصصون البزر ويملؤون البطن حتى الإنتفاخ ويغطون بالنوم حتى الظهيرة! لأنك ما تكاد تلقى مسؤولا عن مسألة متلعثما في جوابها ولا متوقفا عنها ، ولا حتى مستشيرا في شأنها !!
لذا ايها الاخوة وأيتها الاخوات يجدر بي بعد هذه الجولة في مكانة الفتوى وقدرها ان اضع بين ايديكم الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يتصدر الفتوى :
1- لا يجوز ان يفتي الناس في دينهم من ليس له صلة وثيقة وخبرة عميقة بمصدرية الاساسيين : الكتاب والسنة .
2- لا يجوز ان يفتي الناس من لم تكن له ملكة في فهم لغة العرب وتذوقها ومعرفة علومها وادابها حتى يقدر على فهم القرآن والحديث .
3- لا يجوز ان يفتي الناس من لم يتمرس باقوال الفقهاء ليعرف منها مدارك الاحكام وطرائق الاستنباط ويعرف منها كذلك مواضع الاجماع ومواقع الخلاف .
4- لا يجوز ان يفتي الناس من لم يتمرس بعلم احوال الفقه ومعرفة القياس والعلة ومتى لا يجوز .
5- لا يجوز ان يفتي من لم يعايش الفقهاء في كتبهم واقوالهم ويطلع على اختلافهم وتعدد مداركهم وتنوع مشاربهم .
ولهذا قالوا : من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم رائحة الفقه !
فقد سأل بعضهم الامام احمد : « اذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها ؟ قال : لا ، قال : فمائتي ألف ؟ قال : لا ، قال : فثلاثمائة ألف ؟ قال : لا ، قال : فاربعمائة ألف ؟ قال بيده هكذا وحركها » انظر :( اعلام الموقعين ج4 ص 503 ) .
ولم يكتف الامام احمد بمعرفة المفتي للسنن فاشترط له المعرفة باقوال الفقهاء والمجتهدين ، حيث قال : ينبغي لمن افتى ان يكون عالما بقول من تقدم والا فلا يفتي ، وقال ايضا : احب ان يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس .
وبهذا يتبين انه لا يكفي الاثر دون الرأي ولا الرأي دون الاثر .
وقد خفف العلماء بعد ذلك ، فقالوا - نزولا على الامر الواقع في ازمانهم- : المهم ان يعرف من الاحاديث ما يتعلق بالاحكام ولا يلزم حفظها عن ظهر قلبه انما يكفي ان يكون ممارسا لها ، عارفا بمظانها متونا وشروحا خبيرا بنقدها ، تعديلا وتجريحا ، قادرا على مراجعتها عند الحاجة الى الفتوى ، ومهما قدر على الحفظ فهو احسن واكمل ، على ان الحفظ وحده لا يجعل الحافظ فقيها ، ما لم تكن لديه المقدرة على التمييز بين المقبول والمردود والصحيح والمعلول وكذلك الاستنباط والترجيح او التوفيق بين النصوص بعضها وبعض وبينها وبين المقاصد و الشرعية والقواعد الكلية».
6- لا يجوز ان يفتي الناس من يعيش في صومعة حية او معنوية ، لا يعي واقع الناس ولا يحس بمشكلاتهم .
فما رأيت اسوأ حالا من المفتي الذي يعيش في الكتب وينفصل عن الواقع .
فالمفتي البصير يجب ان يكون واعيا للواقع غير غافل عنه ، حتى يربط فتواه بحياة الناس ، فهو لا يكتب نظريات ولا يلقي فتواه في فراغ، كما ان مراعاة الواقع تجعل المفتي يراعي امورا معينة ويضع قيودا خاصة وينبه على اعتبارات مهمة، فبدون معرفة الناس ومعايشتهم في واقع حياتهم ومشكلات عيشهم يقع المفتي في متاهات او يهوِّم في خيالات ويظل في واد والناس في واد ، فهو لا يعرف الا ما يجب ان يكون دون ما هو كائن مع ان الواجب شيء والواقع شيء آخر .
وقد احسن ابن القيم حينما قال : « الفقيه من يطبق بين الواجب والواقع ، فلكل زمان حكم والناس بزمانهم اشبه منهم بآبائهم » ، انظر( اعلام الموقعين ج4/ص220 ) .
لذا ينبغي ايها الاخوة وايتها الاخوات ان تتوجهوا بافتاءاتكم الخاصة الى اهل العلم في هذه البلاد لا من مواقع العلماء في الشبكة العنكبوتية ولا من العلماء الذين يتصدرون للافتاء على شاشات التلفاز ، فاهل مكة كما قيل ادرى بشعابها .
واخيرا اترككم مع كلام الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه ( الفقيه والمتفقه ، ج2/ص157) حيث نقل عن الامام الشافعي «لا يحل ان يفتي في دين الله الا رجلا عارفا بكتاب الله ، بناسخه ومنسوخه وبمحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما اريد به وفيم انزل ثم يكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناسخ والمنسوخ ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر وبما يحتاج اليه العلم والقرآن ويستعمل -مع هذا- الانصات وقلة الكلام ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف اهل الافكار وتكون له قريحة ( اي ملكة وموهبة ) بعد هذا فإن كان هكذا فله ان يتكلم ويفتي في الحلال والحرام واذا لم يكن هكذا فله ان يتكلم في العلم ولا يفتي » .