الرجل المطاطـــي ؟! (اخر مشاركة : دمعه ضايعه - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          بنت راحت عند امها وقالت زوجيني ..ز وجيني .. أرجوكي .. أرجوكي (اخر مشاركة : دموع الامل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          صور البيت الأبيض بعد 6 اشهر من الآن (اخر مشاركة : دمعه ضايعه - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          اوصيـــــــــكم بالصلاه احبتي..... (اخر مشاركة : دموع الامل - عددالردود : 9 - عددالزوار : 23 )           »          سجل توقيع الاداريين (اخر مشاركة : دمعه ضايعه - عددالردود : 1279 - عددالزوار : 3584 )           »          سؤال وهو طلب ؟ (اخر مشاركة : مثيرة للشغب - عددالردود : 4 - عددالزوار : 17 )           »          حاولت انسى ،،،، روعه (اخر مشاركة : *الوافي* - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          [ ۈآإذآإ سـأآلڪ عبآإدي عني فـ آإني قريب ] (اخر مشاركة : بنت جدة غير - عددالردود : 2 - عددالزوار : 11 )           »          نعد لي(5)لوكنت مدرس او مدرسة مين تطرد من الفصل (اخر مشاركة : بنت جدة غير - عددالردود : 162 - عددالزوار : 633 )           »          إلى متى نظل نقول ظروف الحياه ؟؟؟ (اخر مشاركة : بنت جدة غير - عددالردود : 1 - عددالزوار : 14 )           »          الرجل المطاطـــي ؟! (اخر مشاركة : دمعه ضايعه - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          بنت راحت عند امها وقالت زوجيني ..ز وجيني .. أرجوكي .. أرجوكي (اخر مشاركة : دموع الامل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          صور البيت الأبيض بعد 6 اشهر من الآن (اخر مشاركة : دمعه ضايعه - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          اوصيـــــــــكم بالصلاه احبتي..... (اخر مشاركة : دموع الامل - عددالردود : 9 - عددالزوار : 23 )           »          سجل توقيع الاداريين (اخر مشاركة : دمعه ضايعه - عددالردود : 1279 - عددالزوار : 3584 )           »          سؤال وهو طلب ؟ (اخر مشاركة : مثيرة للشغب - عددالردود : 4 - عددالزوار : 17 )           »          حاولت انسى ،،،، روعه (اخر مشاركة : *الوافي* - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          [ ۈآإذآإ سـأآلڪ عبآإدي عني فـ آإني قريب ] (اخر مشاركة : بنت جدة غير - عددالردود : 2 - عددالزوار : 11 )           »          نعد لي(5)لوكنت مدرس او مدرسة مين تطرد من الفصل (اخر مشاركة : بنت جدة غير - عددالردود : 162 - عددالزوار : 633 )           »          إلى متى نظل نقول ظروف الحياه ؟؟؟ (اخر مشاركة : بنت جدة غير - عددالردود : 1 - عددالزوار : 14 )           »         

بنت جدة غير

اميره الحب

قسم الألعاب والمسابقات

 

 
 
العودة   منتديات مراسيل > مراسيل الأدبية > مراسيل القصص والروايات
الإهداءات
فراشة الربيع من البرد : مساء الخير sam من جمعة مباركه : اللهم افرح برحمتك قلباً أحبهم .. واذهب بكرمك حزنهم وهمهم ... واغفر بجودك ما كان من ذنبهم .... ونور القرآن والغفران قلبهم ..... واسترهم في الدنيا والآخره قلب الاسد من سوريـا : صباح الخير للجميع وأهلاً بكل الاعضاء الذين كانوا غائبين وأنضموا ألأينا من جديد منورين المنتدى وربي يقويك أخي أبو غازي على الجهد الذي تبذله ومبروك علينا الترقية MaRaSeL من تمت ترقية : المنتدى للنسخة Version 3.7.4 ولله الحمد MaRaSeL من حياك الله : اخت همس الاحزان ومنوره بتواجدك والحمد لله على السلامة همس الاحزان من الشوق : عساكم مانسيتوني عساكم تذكروني احلا سلام للغالين عنوبة من مكتبة الملاحظات المهمه جدا : أنا طولت كثير .. وأعتذر ومارح اقدر ادخل تعرفوا ثانويه وأشغال فــ مافي وقت وأتمنى تسامحوني على إطالتي في الغيبه .. وأقول كلمه أخيره مشكور مراسيل اميره الحب من مملكتى : مساء الخير على الجميع كيفكم ان شاء الله تكونون بخير قلب الاسد من سوريا : مساء النور أخي طرزان وين هالغيبة يارجل منور المنتدى بهالطلة الحلوة ومساء الخير لكل الأعضاء المتواجدين الأن معنا ورد جوري من من الخبر : مساء الــــــــــــــــورد طرزان نور المنتدى بوجودك بس لاتعيدها وتغيب هههههههه طـــرزان من زحل : مساء الخير والاحساس والطيبه ع كل عضو بهذا المنتدى لكم مني احلى وارق سلام ياحلوين ورد جوري من من الشوق : هلا وغلا لينا ومنوره المنتدى وأحنا بخير دامك بخير يالغلا قلب الاسد من سوريا : مساء النور لينا كيف الصحة ان شاء الله بخير منوره المنتدى والله لينا من أشتياقي : مساء الخير للجميع إن شاء الله الجمع بخير MaRaSeL من تسلمون اخواني : وجاري الترقية بعد قليل بإذن الله وبارك الله فيكم بنوته جنان وكلها حنان من هلا وغلا : مراحب لاحلى منتدى اخباركم اميره الحب من دنيتى : بارك الله فيك مراسيل الله يوفقك قلب الاسد من سوريا : بارك الله بك أخي أبو غازي وربي يقويك ويحميك تستاهل بوس على خشمك وان شاء الله الاعضاء يزيد نشاطهم ويوصل رقم المواضيع مليون ربي يسعدك ومساء الخير للجميع MaRaSeL من الله يعافيك اخوي سام : يااخوان زي منتم شايفين القسم العام والقسم الإسلامي وقسم الصور مواضيعهم فاقت الألف موضوع بفضل الله ثم بجهودكم كيف نوصل باقي الأقسام لهذا العدد هههههه يالله همتكم الله يعطيكم الف عافية sam من خالص الشكر : الله يقويك ويعطيك العافيه أبو غازي
 

رواية [ أشواك ] لـ / سيد قطب ..!

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
 
 
قديم 07-04-2006, 12:40 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
AlAsOllA
شخصية هامة
 
الصورة الرمزية AlAsOllA
 

إحصائية العضو




AlAsOllA غير متواجد حالياً

المستوى: 44 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]
الحياة 322 / 1075

النشاط 1063 / 10962
المؤشر 0%

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 12
AlAsOllA is on a distinguished road

افتراضي رواية [ أشواك ] لـ / سيد قطب ..!


 



عنوان الرواية : أشواك

المؤلف : سيد قطـب

دار النشر : دار سعد

* لم تُطبع إلا مرة واحده فقط عام 1947 .. تحوي 148 صفحة .. مقسمة إلى ثلاثة عشر فصلا .. وذات حجم متوسّط .


إهداء :

إلى التي سـارت معي في الأشواك ، فدميت ودميَت ،
وشقيتُ وشقيَت . ثمّ سـارت في طريق وسرتُ في طريق :
جريحين بعد المعركة . لا نفسها إلى قرار . ولا نفسي إلى
استقرار . . .



...................................... سيد قطب .........



.. أشواكـ ..




حينما أمسك بيدها ليلبسها خاتم الخطوبة ، في حفل من الأهل والأصدقــاء ، وفي ضوء الأنوار الساطعة ، وعلى أنغام الموسيقى في الحجرة المجاورة ... أحس بيدها ترتعش متقلّصة في يده ، ونظر فإذا دمعة تند من عينيها .

شعرَ بشوكة حادة تنغرز في فؤاده ، وغامت الدنيا في عينيه ، وتوقّع شراً غامضاً يوشك أن ينقضّ ، بل شعر بالكارثة تظلله ، وتغشى حياته . ولكنه تماسك ، وأسرع يدعوها إلى المقصف المعد في مكان آخر ، غير ملتفت لدعوة المدعوين !
وهنـاك – قبل أن يحضر أحد – نظرَ في عينيها المغرورقتين ، فإذا هي تحاول بشدّة أن تبتسم ، وتحاول أن تبدو خفيفة رشيقة كعهدها في غالب الأحيان .
أمسك بيديها بين يديه ، وحدق في وجهها ، وهو يقول :
= ماذا ؟
قالت :
= لا شيء !
قال :
= بل هناك أشياء .. ويجب أن أعلم هذه الأشياء .
قالت :
= أوه ! قلت لا شيء . ثم اسكت لقد بدأوا يحضرون !
قال :
= أسكت .. على أن تعديني بكل شيء بعد انصرافهم
قالت :
= وهو كذلك !
وكانوا قد أقبلوا يتغامزون ، فسحبت يدها من يده ، متظاهرة بالدلال والخفة ، كأنما كانا يتناجيان ويتعابثان في غفلة من عيون الرقباء .




***


قالت في لهجة مناورة :
= ولماذا تصر على أن هناك شيئاً ؟ ألا تتأثر الفتاة ، وهي تقف في مفترق الطريق بين عهدين ؟
قال في لهجة جادة :
= اسمعي يا سميرة ، إنني أعرفك جيداً ، ولم تعد خافية منك تخفى عليّ ، ولقد لاحظت تلك النوبات التي تفجؤك وأنت معي في أبهج اللحظات ، وهي علامة لا تخطيء على أن هناك شيئاً . ثم إنني أحبك ذلك الحب الذي تعرفينه ، وإن بين قلبي وقلبك تلك " الشيفرة " الخفية ، التي تجعل لكل دقة في فؤادك صداها القوي في فؤادي ، فلا تحاولي أن تغالطيني أو تغالطي نفسك ،بعد اليوم .


فارقتها ابتسامتها ، وخذلها تماسكها ، وغامت على وجهها سحابة من الأسى ، وقالت في صوتٍ غائر كأنما ينبعثُ من أعماق هاوية :
= أعلم أنك تحبني فوق مقدور الإنسان ، وهذا ما يعذب ضميري .
ثم سكتت سكته رهيبة فتناول يدها في صمت ، وهو يحس هول العاصفة تجتاح نفسها فتحطمها وتوشك أن تجتاح حياتهما جميعاً ، وحدّق بشدة في عينيها ونظر إليها مستزيداً !
قالت :
= اغفر لي أن أقول لك كل شيء . إنني أثق بك ثقة عميقة ، وأشعر بمقدار حبك لي ، ولو فتشت في قلبي لوجدت لك مثل هذا الشعور فيه . ولكن هنالك في ضميري أشواكاً سأضع عليها يدك ، وأترك لك التصرف فيها كما تريد ...
قال :
= قولي كل شيء ولا تخـافي !
قالت :
= لقد عزمت أن أقول ....................


***


....... في نهاية قصتها كانت تقول ، وهي تهتز وتختلج : (( وهذه الدمعة التي رأيتها لم يكن منها بد . كنتُ أشيّع بها عهداً عزيزاً . كان اللحن الموسيقي من حولي هو لحن الجنازة ، أشيع به نعشه للمرة الأخيرة ..... والآن لقد انتهى ............. )) !


وحينما بلغت القصة إلى هذا الحد كان قد اعتزم في نفسه أمراً ، لا يدري كيف اعتزمه ، ولا بأي شعور اتجه إليه . كان الفارق بينه وبين فتاته عشر سنوات ، ولكنه أحس في هذه اللحظات القصار أنه يشيخ . وكان يحبها حبا عنيفاً مجنونا ، ولكنه أحس في هذه اللحظات القصار أنه يحبها حبا سماويا شفيفاً . وكان شديد الغيرة متوفز الإحساس . ولكنه أحس في هذه اللحظات القصـار أنه فوق العواطف البشرية ، وفوق غرائز الإنسان .


قال في صـوت خفيض رتيب رهيب :
= يا بنيتي . إنني أعطف عليكما ، فاعتمدي علي وسأساعدكمـا !
قالت في دهشة :
= تساعدنا ؟ وكيف ؟
قال في توكيد :
= ستكونين له !
قالت في ذعر :
= وأنت ؟
قال :
= سأكون لك منذ اليوم أخا وصديقاً !
قالت :
= وتضحي حبك لي كله ، وماضيك معي كله ، وجهدك من أجلي كله ؟
قال :
= نعم أضحيه . ولا زلت على استعداد لغيره من التضحيات . أضحيه وأنا أعلم أنني ضحيت بالحياة !

قالت مبهورة :
= يا الله : إنك نبيل . بل أنت أنبل من إنسان .....


وحينما آوى إلى فراشه ! انجلى عنه هذا الخُـمار المريح ، وتنبّهت أعصـابه ، وواجه كأنما هوّة تنفتح بين قدميه ، وفجوة تفصـل شطري حياته ، ومدى من العمر لا يقاس بالآباد !


لقد بنى في أحلامه عشهما المنتظر ، ولقد مضى بخياله يطوي الأيام ، ولقد عاش هذه الأحلام عيشة الواقع ، واستغرق في هذا الخيال ، حتى لم يعد يفرق بينه وبين الحقيقة !
فأين هو الآن من هذه الأحلام ؟


لقد أحسّ بالطعنة ، وعرف انه فقد الحلم القديم : حلم الحورية الهاربة التي سيقودها مغمضة العينين إلى العش المسحور . بعد أن عاش في هذا الحلم عامين كاملين ، وبعد أن سحر بها منذ اللقاء الأول ، وأعدّ نفسه وأحاسيسه كلها لارتقاب اليوم الموعود .
وجد نفسهُ يبكي ..
ثم أدركته رحمة الله فنـــــــام .



.



.



.. وكان الصبـاح ..






وصل إلى مكتبهِ في الصباح – ولا يدري كيف وصل – ، لم يلق باله في هذا اليوم إلى شيء في الطريق . تم كل شيء كما تتم الحركة الآلية .

وكان يبدو على مظهره السكون والاستسلام والانقياد ، لم يكن له رأي ولا هدف ولا اتجاه . صحا فذهب إلى مرافق المياه ، ولبس ملابسه في صمت ، وانطلق إلى الطريق فركب القطار ، وجلس في مقعده ، ووصل إلى الديوان ..!

وقال أحد زملائه في المكتب :
= خير إن شاء الله . مالك يا فلان ؟
فافترت شفتاه عن ابتسامة مغتصبة ذابلة وقال :
= خير ! لاشيء ! أترى شيئاً ؟
قال زميله :
= ألمح عليك الإجهاد . لا بد أنك كنت سهران !
قال :
= أي والله ! كنتُ سهران !

ثم انصرف الزملاء إلى أحاديثهم اليومية التافهة ، وانصرف هو إلى نفسه ، لا يحاول حتى أن يتكلف فيتجمل أمام الزملاء .
كان لا يحس بأي أحد ، بل لم يكن يحس بالمكان !

ودق جرس التليفون . فإذا بالموظف القريب يناديه . وصحا فجأة فاختل توازنه ، وهو يلبي النداء وأمسك بالسماعة ، وفي يده بقية من اضطراب .
قال : آلـو ...!
قالت :
= آلو . أنت سامي ؟
قال ولم يدرك بعد شيئاً :
= نعم يا سيدتي !
قالت في لهجة مرحة مستخفّة :
= أتعرف من التي تكلمك ؟
ولم يكن يدري صوتها في التليفون ، ولكنه وجد في نفسه بعض الانتعاش على كل حال .
قال :
= لا . من أنت ؟
قالت :
= سميرة !

نسي أنه في الحجرة بين زملائه . وأحس بالوحدة والانفراد ، بل غابت عنه معالم المكان والزمان ! وارتجفت كل ذرة في كيانه وحاول أن يقول أشياء كثيرة لا يدريها ، فاضطربت في دمه الكلمات . وأخيراً فتح الله عليه بجملة تافهة بعد مضي لحظات :
= صحيح ؟ أنت سميرة !
قالت وقد جلجل صوتها بضحكة عذبة ، نفذت إلى ذرات جسمه وحناياه :
= والله أنا ! ألا تصدق ؟
قال وقد استردّ شيئاً من إرادته ونفسه :
= إن صوتك رائع في التليفون !
قالت مشرقة مبتهجة :
= صحيح ؟
قال :
= والله !
وخاف ألا يجد ألفاظاً ، وألا يهتدي إلى موضوع يطيل به الحديث ، فقال :
= وأين أنتِ الآن ؟
قالت :
= أتكلم من صيدلية في العتبة .
فاستمر في هذا الحديث التافه الذي هو أبعد ما يكون عما يريد أن يقول :
= وإلى متى ستمكثين هناك ؟!
قالت :
= إنني عائدة إلى البيت الآن .
وأغلق عليه الحديث . فصمت لحظة . وبحث عن موضوع جديد ، أو عن طريقة لإنهاء المحادثة ، فلم يفتح الله عليه بشيء . فما أنقذه إلا صوتها هي ، تراجع الحديث :
= .... وستأتي الليلة ؟!
قال في توكيد ظاهر :
= طبعاً ! متى يحسن أن أجيء ؟
قالت :
= في أي وقت . ولكن حـذار ألا تأتي !
قال في نشوة وخفة :
= لا آتي ؟ وكيف ؟ سأكون عندكم في الساعة الخامسة .

وفي هذه اللحظة تنبه إلى أنه بين زملائه . فأراد في محاولة ساذجة أن يبعد عن نفسه الريب ، وعنها هي أولا! وإن لم يعلم أحد من تكون ! قال :
= أخبري (( بابا )) أنني سأحضر في هذه الساعة !
قالت :
= هو بطبيعته يكون موجوداً ... سعيدة !
قال :
= سعيدة .. إلى اللقــاء .


***

ووضع السماعة ، وهو في نشوة حقيقية كالتي يحدثها الشراب . كان يحس أن وجهه يلتهب وأنفاسه تفور ! وكان يحس أن كيانه يختلج ، وأنه لو سار لتلجلجت خطاه .

وقال زميله الذي لقيه في الصباح :
= يبدو أنها محادثة سارة . لقد أشرق محياك !
قال وهو يتلعثم ويضحك ويضبط شفتيه في آن :
= نعم ( وبلا سابق إنذار ) .... إنها خطيبتي !

وأثار هذا التصريح عاصفة بين الزملاء : قال أحدهم : مبروك ! . وقال الآخر : لم تدعنـا إلى الحفلة ! . وقال الثالث : ولا أخذنا (( الملبس )) ! وقال أحدهم : والله وقعت يا أخانا في النهاية ، وجاءت رجلك ! . فرد عليه زميله : اسكت .. المهم أن لا تفوتنا الحفلة الثانية ولا (( الملبّس )) !

ووجد نفسه يقول في دعابة وبشر وانطلاق :
= اطمئنوا .. فلن يفوتكم شيء إن شاء الله .

وكانت هذه الفترة وتلك الضجة ، كفيلتين باسترجاع اتزانه . فتحرك يغادر الحجرة لا يدري إلى أي اتجاه . ولكنه يسير بخطوات سريعة قافزة نشيطة ، يقطع المشي الطويل أمام الحجر حيث لا يتبيّن له قصـدا ، فيرتد يقطعه كرة أخرى !


***

وثقلت عليه ساعات الديوان – وإن كان غير مقيد بالمواعيد – فظل يغالب رغبته في الخروج – وإن كان لا يدري إلى أين يخرج – حتى بقى على الموعد الرسمي ثلاثة أرباع الساعة . وهنا أفتت منه أعصابه ، واستعصى عليه البقاء . فخرج إلى الفضــاء !

وحينما وجد نفسه خارج الديوان ، واجهته مشكلة الاتجاه : أين يذهب الآن ؟ إلى منزله ليتناول الغداء ، ثم يعود في الميعاد !
وسار بضع خطوات ، ولكن جـاذبا قويا كان في نفسه يشده عن المسير ، فعاد أدراجه حتى وقف أمام الديوان ...

ولم لا يتغدى في المدينة ، ويستريح في مقهى ، حتى يأتي الميعاد ؟
واندفع في هذا الاتجاه .. وشعر بأنه استراح إليه ! إنه هنا في المدينة يكون قريباً من الدار !

وأحس انه سعيد .. وغابت عن حسه الأشواك . وسـار في خطوات خفيفة ، مشرق النفس ، نشيط الجسم ، مفتح الحواس .

وفي مطعم يعتاده حين يتخلف في القاهرة ، تناول غداءه بنهم ، وإن لم يشعر بما يذوق . ثم انتقل إلى مشرب هـاديء يستريح إلى هدوئه . وجلس يرتقب الميعاد .

ولكن الساعة لا تزال الثالثة . وأمامه ساعتان طويلتان . فأين ينفق ذلك الوقت الطويل ؟ وثقل عليه الزمن – كما ثقل عليه الطعام – وفارقه نشاطه وخفته ، وبدأ يجثم على صدره نوع من الكآبة تسرب إلى نفسه من حيث لا يدري . وفي هذا الجو الذي استحال كامداً بعد فترة ، أخذت تتوارد على خواطره صور الأمس القريب : يداها وهي ترتعش في يده ، ودمعتها تندّ من عينيها ، وخلوتها بعد انصراف المدعوين ، واعترافها له بالأشواك ، فيشعر بهوة عميقة تفصل بينه وبينها . وهنا يحس بيد تقبض أعصابه وتضغطها ، فينتفض كمن يريد الخلاص .

ويثقل عليه جو المكان وهدوؤه ، والظلال التي تبعثها الأنوار الملونة المضاءة نهاراً في الركن الذي آوى إليه ، ويحس انه يلتقط أنفاسه بصعوبة ، فينتفض واقفاً كما يفاجأ بخطر ، ويتناول أوراقه وجرائده ، ثم ينطلق مسرعا إلى الشارع ، كالذي يفر من شيء مخيف ! ثم يسير في الطريق خطوات سريعة بعض الشيء ، ثم يهديء سرعته قليلاً ، وهو يتطلع إلى بعض واجهات المتاجر الزجاجية في غير انتباه .

وفجأة يقف أمام دكانة روائح عطرية ، ويتفحص الزجاجات الأنيقة ، فتعجبه إحداها . وفجأة تهتف به خواطره بأن يختار واحدة منها هدية ، فيدب في كيانه النشاط المرح ، وتنجلي عنه الغمرة الثقيلة ، ويشعر في جسده بالخفة والانتعاش .

ولم يطل لحديث بينه وبين البائع . فقد اختار زجاجة على هيئة قلب ، من عطر فرنسي قديم التعبئة ( كما كتب على الزجاجة ) ونقده الثمن المرتفع بعض الشيء ، وأخذها في علبتها الأنيقة وخرج ....


خرج فرحان كالطفل باللعبة الجديدة . وسار وفي يده الزجاجة يمسكها بحرص واحتراس . واندفعت خطواتته مرحه نشيطة قافزة . ولكن إلى غير اتجاه ...

كان سائراً في الشارع وهو نشوان ، فكان كالمفاجأة له أن ينظر فيرى الترام الذي يركبه إلى هناك ، وكاد يقفز لولا أنه استيقظ إلى أن الموعد بعيد . فترك الترام يمضي وفي نفسه شوق ملهوف !


***


وبعد خطوات وجد مقهى مطروقاً ، ووجد نفسه يجلس إلى مقعد فيه ، كالذي طال عليه السرى فألقى بجسمه ليستريح . وطلب شايا ، فأحس بعد تناوله بالنشاط واليقظة .. ونظر ساعته فإذا هي الرابعة إلا ربعاً . بقيت ساعة وربع .. والطريق لا يستغرق أكثر من نصف ساعة . واستثقل الزمن الباقي . فقام يمشي .

وفي هذه المرة لم يستطع أن يغالب جاذبية الترام حينما جاء مرة أخرى ، فقفز في وسط المحطتين ، وآوى إلى مقاعد الدرجة الأولى الخالية . لقد كان يحس دائما وهو ذاهب إلى هناك أنه أعز من أن يندس في غمار الجماهير !

وعندما كان في محطة المنزل كانت الساعة بالضبط الرابعة والربع . وكان يحرص على أن يبدو هادئاً مضبوطاً في تصرفاته وأقواله . يداري بهذا المظهر ما يضطرب في نفسه من نوازع وهواتف واندفاعات ، فعز عليه أن يخلف ميعاده ، وأن يزعجهم قبل الميعاد ، فراح يتمشى !

وكان قريبا من المنزل فضاء فسيح ، يحمل له في نفسه بعض الذكريات . لقد كان يسكن هنا قبل عشرة اعوام ، وكان يومها فتى يافعا ، كان هذا الفضاء الفسيح يعجبه فيجول فيه ، حيث يخلو إلى الهواء والفضاء ... والشعر في بعض الأحيان !

راح ينقل خطوه في هذا الفضاء ويجوس خلاله ، وخلال الذكريات التي استطاعت أن تطغى على الحاضر بكل ما فيه .

وحينما انتبه . وجد الساعة الخامسة إلا دقائق معدودات . فأبهجه هذا ونشطه ، وانطلق يغذ السير ويسرع الخطوات في اتجاه الدار !



.



.



.. صراع ..




استقبلته مشرقة متهللة كأن لم يكن بالأمس شيء ، واستقبله الجميع في ابتهاج ، وقدم لها زجاجة العطر الثمينة . وبدلاً من أن يزيد هذا في إشراقها وتهللها . لاحظ في يدها رجفة وهي تتناول الهدية ! فانقبضت نفسه ، وتذكر خاتم الخطوبة ! وغاض البشر في وجهه على الرغم من تظاهره بالبشاشة .

ولم يلحظ أحد من أهل المنزل شيئاً مما حدث . بل بدا عليهم وعلى الأم خاصة نوع من الاستبشار المتخفف الطليق . كانوا قوماً طيبين ، لا تنطوي نفوسهم على شيء من التركيب والتعقيد . وكانوا مغرقين في ثقة مريحة بمستقبل ابنتهم السعيد ، مع هذا الشاب الودود . وكانت ألفته بهم قد توثقت خلال فترة طويلة ، فعاد فرداً من الأسرة ، موثوقا به كل الوثوق ، محبوباً من كل فرد في المنزل ، حتى من كلبهم الصغير الذي كان يبصبص له بذنبه ، ويتواثب على قدميه ، يشاركه في ذلك أخواها الصغيران !

وانطلق الجميع إلى لون من ألوان الحديث المرح اللطيف ، يناسب جو الخطوبة السعيدة ! ثم أخذ الجميع ينسحبون واحداً إثر واحد ، ليخلو الجو للخطيبين السعيدين !



***


قالت – بعد أن خلا بهما المكان – وقد علا وجهها نوع من الجد والكآبة :
= اسمع يا سامي ... أرجو أن لا تحضر لي شيئاً من الهدايا !
وأحس لهذا الحديث بوقع الشوك المسموم ، فقال في ألم يخفيه :
= ولماذا يا سميرة ؟
قالت :
= لا أستحق !
قالتها في وجوم ثقيل ، وفي همود حسير . وطأطأت رأسها إلى الأرض كأنما هي آخر كلمة تقال !

قال :
= اسمعي . إنني لا أستريح لمثل هذه الكلمات . فهل لديك حديث آخر ؟ من فضلك أنا لست في حاجة إلى المزيد .
ولمحت في وجهه مرارة ، وفي قسماته وجوماً . فحاولت أن تغير الجو بابتسامة مغتصبة .ولكنها راحت تقول :
= صحيح ! أنا لا أستحق منك كل هذا الاهتمام . إنك إنسان طيب القلب ، خالص النية . أما أنا فبنت شريرة من الذي يرى كل هذا النبل ثم لا يخلص لك . ولكن أنا . أنا التي تسيء إليك في ليلة خطوبتك !

وأربد وجهها وتغيّر ، وهي تلقي إليه بالكلمات الأخيرة . وهنا واجهته المشكلة كلها ، وقد كان قد ركنها جانبا ، ووخزته الأشواك بحدة ، فبدت على وجهه أمارات الألم الحاد . وأدركت بغريزتها الفطنة حقيقة الألم وعمقه ، فارتدت بسرعة إلى الجانب الآخر .

قالت في تودد مغر ، وفي استسلام وديع :
= ولكنني أرجو أم تكون بجانبي . وألا تدعني وحيدة . إنني أستطيع أن أقاوم الماضي ، وأن أنتزع الأشواك حين أراك معي ، أستمد منك الثقة والحرارة . وإنك لصاحب حق في أن تمتليء نفسك بالشوك ، وفي أن تقطع ما بيننا كله ، وأن تفصم هذه الخطبة المعقودة ، وأن تسترد (( شبكتك )) أو تطوح بها في الفضاء . ولكن لتذكر مع ذلك أنني كشفت لك عن كل شيء راغبة غير مضطرة . وأنني أثق بك ثقة لا حد لها ، وأن أحداً من اهلي – حتى أمي – لا يعلم شيئاً مما حدثتك عنه ، واعترفت لك به ...... إنك الآن الرجل الوحيد الذي أعوذ به من الماضي وألوذ به من الأشواك !!!

ونظر إلى جبينها المطرق ، وإلى عينيها الذابلتين فإذا كل معاني الاستسلام : (( إنك الآن الرجل الوحيد ، الذي أعوذ به من الماضي ، وألوذ به من الأشواك )) !
قال :
= وهو ؟ ما رأيه ؟ وما موقفه من موقفك الآن ؟
قالت :
= لست أدري . فإني لم أعد أراه . لقد رفضوه كل الرفض حينما تقدم لخطبتي قبل عام .
قال :
= ما رأيك في أنني أحب أن أراه ؟
قالت :
= تراه ؟ وماذا تصنع به ؟ ( وبدا عليها الاضطراب ) .
قال :
= لست أدري ، ولكن لا بد لي أن أراه !
قالت متوسلة :
= لست أفهم معنى هذا الإصرار ، نفسي تحدثني أن الخير في ألا تراه !
وكان هذا وحده كفيلاً بأن يزيده إصراراً . فارتفعت نبرة صوته في لهجة جازمة :
= علاقتنا كلها متوقفة على أن أراه . فأعطني عنوانه ، ولا عليك مما يحدث بعد الآن !
قالت :
= تهدد ! إذن فإليك عنوانه ... ( ونظرت إليه نظرة طويلة مليئة بالرجاء والتوسل والاستفسار ) !


***


لم يكن يدري – في الحقيقة – لماذا يود أن يراه . إنه لم يسأل نفسه هذا السؤال .. أ لعله يود أن يقيس نفسه إليه في حومة الصراع !
على أيه حال لقد اندفع يصفق في فناء منزله القريب من منزلها ، وهو يسأل عن الشاب الضابط (( ضياء )) !

وخرج له شاب أبيض البشرة قصير بعض الشيء ، في حركاته شيء من البرود ، وأحس في نفسه بشيء من الراحة والاطمئنان لا يدري مأتاه !

قال له :
= حضرتك ضياء أفندي
قال :
= نعم
قال :
= أنا سامي ... وأرغب في أن أحادثك في أمر خاص .
ولو أنك لا تعرفني من قبل ! ، قال الشاب :
= آه .. سامي ... لا .. أنا أعرفك .. سأرتدي ملابسي حالا .. وأخرج إليك بعيداً عن المنزل ... تفضل ...!!!
قال :
= لا .. لا داعي للدخول .. أنا في انتظارك على محطة الترام .


***


ووقف على محطة الترام يقطعها جيئة وذهوبا ، وفي خطواته آلية ، وفي نفسه اضطراب : لماذا قابله ؟ ومالذي سيحدثه به ؟ ...
وأحس في رأسه بغليان !
ولم تمض دقائق حتى كان الشاب بملابسه الرسمية ! فقطع عليه اضطرابه .
قال الشاب :
= أين نجلس ؟
قال :
= في أي مكان . ليس في الشارع إلا قهوة (( نصف بلدية )) ولكن لا بأس بها . فهي أقرب من مقاهي القاهرة .
ها هو ذا الترام ، فلنركب هاتين المحطتين .

وقفزا فأدركا الترام .



***



لم يكن يدري كيف يبدأ الحديث .. فصفق للنادل وكلفه إحضار (( الطلبين )) وكان في هذا مهلة عله يجد مفتاح الحديث .. ولكن النادل مضى ثم عاد ، دون أن يفتح الله عليه بكلمة تقال ..

وأخيراً زالت الحبسة من لسانه ، فتحرك ، ودار الحوار .
= لقد أخذت عنوانك من سميرة !
= آه .. إنها بنت طيبة ، لقد عرفت أنك خطيبها . وهي بنت حلال !
= لقد خطبتها قبل أن أعلم قصتكما . أما الآن فقد تتغير الأحوال .
= إذن هي قصت عليك كل شيء ؟
= نعم وبالتفصيل .. وإني لأحب أن أعرف : ما إذا كنتما اليوم راغبين في محاولة ما أخفقتما فيه قبل عام ، إنني أضع بين يديكما نفوذي لدى أهلها الذين يعدونني واحداً منهم ، ونقودي التي أعددتها إذا كان هذا عائقاً أيضاً .

لم يدرك كيف اندفعت من فيه هذه الكلمات .. أهي رغبته الحقيقية في التخلي عنها بعد أن ظهر له ما ظهر ؟ أم هو إيثاره لسعادتها كما كان يزعم لنفسه ؟ أم هو استطلاع ما بينهما من تماسك واتصال ؟

ولكن الشاب لم يتحمس لهذا العرض – كما كان ينتظر – بل راح يقول في لهجة باردة فيها شيء من الطراوة ومط الألفاظ :
= ولكن ماذا نصنع لأهلها .. لقد قابلوني مقابلة سيئة جداً حينما ذهبت أخطبها .. ثم إن أهلي كذلك يمانعون في زواجي منها إلى حد تهديدي بالقتل إذا أنا أخذتها .. إن أمي تريد لي بنتا غنية .. بنت صادق باشا .. وهم يعرفون اسمك وصلتك بسميرة .. ولذا لم أرد أن أستقبلك في المنزل !

ثم زايله البرود ، وعلت نبرة صوته ، وبدا فيها شيء من الصدق والإخلاص وهو يقول : لن أتزوج ما دامت سميرة ليست من نصيبي !

قال ، وقد تغيرت نفسه ، وبدا فيها غيظ مكتوم :
= قلت لك : إنني سأمهد لكما الطريق ، سأجعل أهلها يقبلونك ، أما أهلك أنت فعليك إقناعهم ، وإن لم يقتنعوا ..أفلست يا أخي رجلاً ؟ ( قالها في لهجة غيظ وازدراء ) !
قال الشاب – وقد ذهبت عنه حماسته الوقتية - :
= ولكنني مسافر للسودان بعد أيام ! فإذا كانت تنتظرني حتى أعود .. فسأتقدم إليها !
وكاد يصفعه ، ولكنه تمالك .. ثم اندفع يقول :
= هذا ليس كلاماً ، فإن كنت تريد شيئاً ، فتقدم اليوم ، وقدم مهراً ، إذا لم تستطع أن تكتب كتابك !

قال :
= إذا رضى أهلها فأنا على استعداد .

عندئذ أحس أن طعنة أصابته ، وأن الدنيا تظلم في عينيه ، وانقطع حبل الحديث ، ولكن الشاب عاود الكلام في رخاوة عجيبة :
= أنا لا أعرف لماذا تكرهها أمي كل هذه الكراهية ؟ إن أهلي يعتقدون أنها ستأخذني منهم ، مع أنها هي التي ردتني إليهم حين غضبت منهم في العام الماضي ، وبقيت في المعسكر لا أدخل بيتهم عدة أيام ؟
قال في استفسار مغيظ :
= وكيف ردتك إليهم ؟
قال الشاب :
= جاءت إلي في المعسكر عند الهرم ، وهددتني بقطع علاقاتها بي إذا أنا لم أعد للمنزل ، فعدت معها ...

جاءت إليه في المعسكر عند الهرم ! هنا أحس بالدوار ، هنا تراقصت في خياله عشرات من الصور المتتابعة ، كان يقف عند صورة منها ثم يطيل الوقوف . صورة (( خيمة )) في المعسكر . وهما منفردان . وهو هذا الشاب (( المائع )) وهي هذه الفتاة التي كانت ترتعش حينما تراه – كما قالت له في الاعتراف – والتي ودعته بدموعها في ليلة (( الشبكة )) وقالت : إن اللحن من حولها كان لحن الجنازة تشيعه به إلى مقره الأخير . مقره الأخير ؟ ها ها ها !

ووجد نفسه يقف للانصراف . ووجد نفسه يقول في حماسة :
= انتهينا ، ستتقدم لأهلها غداً ، وسأنسحب أنا الليلة ، وسأمهد لكما كل شيء منذ الآن !

***

لم يكن يدور في نفسه – وهو عائد إلى منزلها – إلا خاطر واحد :خاطر الانسحاب .. وإلا صورة واحدة : صورة (( الخيمة )) ، ولكنه يكذب على نفسه وعلى الناس لو قال : إن نفسه لم تكن شعلة من الجحيم ، وإن دماءه لم تكن تغلي في عروقه . وإنه لم تدر في أعماق حسه معركة بين شتى الاتجاهات ، وأنه لم يستسهل حماقة الجريمة على وضع من الأوضاع !

ودخل المنزل ، فبادرت إليه ، وفي عينيها نظرة استفهام متوسلة . فاتسعت حدقتاها – وهي تنظر إليه – وعلا صدرها وهبط ، وماتت على لسانها الكلمات !
وانقضت فترة طويلة قبل أن يجد لسانه يتكلم .

قال وهو يتكلف السخرية وعدم المبالاة :
= انتهينا يا ستي .. استعدي للعودة إلى ضياء !
فدنت منه ووضعت يدها على كتفه في خوف الطفلة المتوسلة وقالت :
= ضياء ! كيف ؟
قال وقد زايله هدوءه المتصنع :
= ضياء صاحب (( الخيمة )) في معسكر الهرم !
بدا على وجهها الذعر ، وعلى عينيها الاضطراب ، وتلعثم لسانها بالكلمات ، ثم قالت في انفعال :
= أي (( خيمة )) هو قال لك إنني ذهبت إليه في (( خيمة )) ؟ .. ( ثم جزت أسنانها في غيظ ) ... الكذاب !

لا يدري لم استراح وهي تلفظ هذه الكلمة ، وإن لم تصل إلى موضع الشك في نفسه ...
قال :
= ألم تذهبي إليه في المعسكر ، لترديه إلى أهله حين غضب منهم منذ عام ؟
قالت :
= نعم ذهبت ، ولكنني لم أقابله في (( خيمة )) لقد تمشينا بعيداً عن المعسكر في الرمال !

آه .. الرمال .. وهذه كارثة أخرى .. فما الفارق بين الخيمة والرمال ؟

قال :
= على أيه حال لقد انتهينا . ستكونين له . وسيأتي هنا غداً . وسأخبر أهلك الليلة بانسحابي ، دون إبداء الأسباب ، وإن كنت قد تعهدت بأن أمهد لكما الطريق . لأنه هو متخوف من معارضة أهلك وأهله .
قالت منفعلة :
= يا سيدي لك أن تنسحب إذا شئت ، ولكن ليس لك أن تقهرني على شيء لا أريده .. إنني أكرهه .. لم أعد أتصور أن أراه ..
قال وهو يتصنع السخرية والهدوء :
= يا (( ستي )) إنك تغالطين نفسك . فدعيني أؤدي واجبي !
قالت ، وقد شرقت بالدمع ، واختنق صوتها بالكلمات :
= تؤدي واجبك ! واجبك في أن تتخلى عن الفتاة التي اعترفت لك بكل شيء . التي لم ترد أن تغشك أو تغش ضميرها ، التي وثقت بك فطلبت معونتك . تؤدي واجبك ! ولم لم يؤد هو واجبه في هذا الأمد الطويل . أليس رجلاً . لم لا يذلل عقبات نفسه فيدع لك أنت أن تذللها له ... الجبان !


نطقت بهذه العبارة كلها في سرعة خاطفة ، ولم تكد تنتهي منها حتى بلغت أعلى طبقات النشيج ، وأخذ جسمها كله يرتجف ويهتز ... وبلا شعور ولا قصد ، وجد نفسه يقترب منها ، ثم يضمها إليه ، فتجاوبه في استسلام ، وتدفن وجهها في صدره بعنف ، ثم إذا هو يرفع وجهها بين يديه ، وعيناها مغرورقتان بالدموع ، وفي وجهها براءة معذبة . ثم لا يدري كيف قد نسي كل شيء .. فإذا شفتاه تهويان على شفتيها ، فتستجيب له بكل ما فيها .. ثم يستمعان إلى وقع أقدام ، فينتبهان !


***


قالت له – وقد أمنت واطمأنت ، وعاودتها روح الدعابة والشيطنة :
= كيف وجدته بالله ؟
قال :
= أتريدين أن أصدقك ؟ أم تراني أجامل ذوقك ؟
قالت – وقد فارقتها روح الدعابة ، وبدا على وجهها الجد والاهتمام :
= لا .. لا تقل لي عنه شيئاً . إنني أعرف عيوبه ، وأحب أن أقولها أنا . ولكنني لا أطيق أن يقولها لي أحد .. وبخاصة أنت ! .. إنه تافه ، وساذج و (( بلدي )) في ألفاظه وحركاته ... ولكنه طيب . طيب جدا ومخلص . وفي خلال عامين كاملين ، لم يرد أن يضع يده علي في مرة من المرات !

وأحس لهذه العبارة الأخيرة بوخزة في شعوره . لماذا هذه الإشارة ؟ لتنفي ريبته في المعسكر ؟ ولكن من قال : إن هذا يزيل ريبته ولا يقويها ؟ ثم لم لا تطيق حتى اليوم أم تسمع فيه قدحاً ؟ .... ولكنها تعرف حقيقته ، وتصفه بالتفاهة والسذاجة ، وإن وصفته بالطيبة والإخلاص !

وانطلق المارد . وقام في نفسه الصراع ...

وأدركت هي ما يجول في خاطره – ولم يكن شيء مما يدور في نفسه يخفى عليها – فأرادت أن تأتيه من الناحية التي تعرف ضعفه فيها : من ناحية مروءته وناحية حبه .

قالت :
= أعرف أنك لم تعد تثق بي . معك حق . ولكن ألم أصارحك بكل شيء . ثق أنه لو كان هناك شيء ما أحجمت عن ذكره لك . إنني واثقة بك إلى حد لا تتصوره . فليس هناك ما يمنعني من التصريح ، ولست أخفي عليك أنني أصارع نفسي في بعض الأحيان ، وأنني أحس لهذا المخلوق التافه كثيرا من الإعزاز . لا تنس أنني أحببته في يوم من الأيام إلى حد العبادة ... كنت طفلة مجنونة وكان طفلا ساذجاً ! ولا يزال ! ثم إنني لم أكن قد صادفت رجلاً ... لم أكن قد عرفتك !

وتطلعت إليه بنظرة كلها نداء ... واستطاع أن ينسى في هذه اللحظة هواجسه كلها ليستجيب . ولكنها بعد لحظة كانت تنتفض مذعورة بين يديه ، وكأنها مست من شيطان . وكانت تنفلت إلى حجرة السرير فتدفن وجهها في الفراش ... وتستلم للبكاء !

إنه الصراع .....


***


لم ينسحب ، ولم ينبئ أهلها بشيء ، ولم يحضر الشاب كذلك . وانقضت ثلاثة أيام . وكان هناك . وعلم أنها ذهبت إلى عيادة الطبيب لتأخذ حقنة (( الكلسيوم )) ، وكانت عيادته في المنزل المجاور بالذات ، فلم يرافقها إلى العيادة القريبة .

ثم حضرت ... دخلت شاحبة الوجه ،تغرورق عيناها بالدموع . ثم انفلتت إلى حجرة النوم فأغلقتها عليها ، دون أن تعرج على حجرة الاستقبال ، حيث كانت هناك بعض الزائرات .

ولمحها تدخل ، فتبعها دون أن يُخطر أمها وزائراتها . ولم يكد يفتح الباب حتى وقع نظره على منظر مؤذ جداً : الفتاة منحنية على السرير في اضطراب ، وجسدها كله يتقلص كالملدوغ .

قال :
= هل أدخل ؟
فأومأت إليه أن يجيء . ولم يكد يحاذيها . حتى انتصبت انحائها ، فألقت بنفسها عليه ، ودفنت وجهها في صدره وطوقته بذراعيها في عنف ، وانطلقت تبكي ...

وقف حائراً بعض الوقت ، وتركها تهدأ بالبكاء .. ثم لمع في ذهنه خاطر غريب . قال :
= هل قابلته في الطريق ؟
وفوجئت بكشف سرها على هذا النحو اليسير . وكأنما استراحت لهذا الكشف أيضاً دون أن تقول . فقالت ، ووجهها في صدره :
= نعم قابلته الآن ؟
قال :
= وماذا قال لك ؟ ولماذا تبكين ؟
قالت :
= لقد طلب إلي أن أرد له صوره ورسائله ، ما دمت قد صرت إلى رجل آخر ، وانتهى كل شيء !

وهنا علا نشيجها وزاد اضطرابها فأحنقه هذا . ولكن أدركته رقته عليها ، فقال في نبرة تمزج بين الغيظ والرقة ، وفي لهجة مريرة مغلفة بقلة اللامبالاة :
= ألم أقل لك يا بنية : إنك تغالطين نفسك ، وإن الأفضل هو التسليم والاعتراف ؟
فسكتت فجأة عن البكاء ، ورفعت وجهها إليه ، وقد علته مسحة من الجد الصارم وقالت ، وهي تمسح دموعها بالمنديل :
= في غير هذه اللحظة يحسن منك هذا الكلام !
وكان ينبغي أن يسكت أو يثور . ولكنه وجد في نفسه خفة وانطلاقا . قال :
= إنني لأعجب لك يا بنية : أفي حضني أنا تنشجين عليه ؟
قالت وقد خفت هي الأخرى وانتعشت :
= معك حق . ولكنني والله لست أفهم . إنني كلما وجدت نفسي في ضيقة تطلعت إليك أنت ، وكلما خفت من شيء لجأت إليك أنت ، ولم أفكر في أن ألجأ إلى أحد آخر : لا والدتي ، ولا والدي ، ولا هذا الذي أبكي عليه منذ لحظة ! . أقول لك الحق : إنني بنت مجنونة .. إنني لا أعرف حقيقة اتجاهي ، لا تضحك إذا قلت لك : إنني في بعض اللحظات أتمنى أن يباح لي زواجكما معاً .. أنت وهو .. ليت ذلك ممكناً ! إنني أحبه فقط حينما أحس أن كل شيء بيننا سينتهي إلى الأبد ، وأحبك أنت عندما أحس أنني سأحرم منك .

ومع أن هذا التصريح آذاه ، فإنه وجد نفسه يفكر ، ووجد نفسه يعطف على هذه الفتاة التي يتصارع الماضي والحاضر في نفسها مثل هذا الصراع . فقال في دعابة :
= وهو كذلك يا بنيتي ، أنا قابل لهذا الحل الأخير !!!
قالت وقد عاودها الجد :
= لا . إنني لك .وليست هذه إلا جذوراً لماض سخيف . ساعدني على اقتلاعها من نفسي . قل إنك لن تتخلى عني .. قل .. ( وأمسكت بيده بين يديها في إعزاز ظاهر ) .......... فقال !


 

التوقيع

 

   

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
 

 
 
قديم 07-04-2006, 12:42 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
AlAsOllA
شخصية هامة
 
الصورة الرمزية AlAsOllA
 

إحصائية العضو




AlAsOllA غير متواجد حالياً

المستوى: 44 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]
الحياة 322 / 1075

النشاط 1063 / 10962
المؤشر 0%

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 12
AlAsOllA is on a distinguished road

افتراضي


 

سِـخريات ..




أذن لهما أبوها في أن يرافقها إلى السينما في حفلة الساعة الثالثة والربع ، بعد أن يتناول في دراهم طعام الغداء .

وخرج من الديوان مبكراً في هذا اليوم ، ليصل في ميعاد مناسب . ووجدها قائمة على تحضير المائدة في خفة ونشاط واجتمع أفراد الأسرة حوله ، يحتفلون به / وهم في ابتهاج ظاهر وفرح واستبشار ، وتناوبوا جميعاً تقديم أطايب المائدة له – على الطريقة الشرقية التي تتم عن طيبة القلب وصفاء السريرة ، وإن كانت تضايق في بعض الأحيان – واشتركت هي معهم في هذا الإكرام ، بعد إحراجها بالفكاهات والنكات من أمها التي كانت الدنيا لا تسعها من الفرح ! .. إنها سيدة طيبة عصبية المزاج ، مصابة بداء الكبد ، وتريد أن تفرح ، وأن تقشع الهم ، لأن الكدر يثير عليها الداء ، وهذه بنتها الجميلة خطيبة شاب تثق في أخلاقه ، ومستقبله طيب ، وهو ملحوظ المكانة في الأوساط الأدبية والسياسية ، كما علمت من بعض الناس . والعائلة كلها تحسدها على هذا التوفيق . فما الذي يعوقها عن الفرح والبهجة والاستبشار ؟!

وانفضت المأدبة ، وتناول الجميع الشاي والقهوة ، حسب أمزجتهم وعاداتهم . واقترب موعد السينما فتهيأت للخروج . و حينما خرجت من حجرة الزينة بدت وكأنها قطعة من الفتنة تتحرك ، فأحس في نفسه إحساس الغني الموفور الثراء ، وهو يطالع رصيده الضخم ... أهذه كلها له ؟ وانتعشت كل ذرة فيه .

ونزلا إلى الطريق ينتظران الترام . وفي المحطة لمح ضابطا شابا يحوم حولهما ، فبدا عليه التضايق ، وتحركت غيرته العنيفة ، ولحظت هي تغير وجهه ، فأدركتها خفتها الشيطانية ، وقالت عابثة :
= واحد ثان !
ولم يحس لهذه الإشارة بأية وخزة . فقد كانت عيناها ونبراتها تنطق بأنها له وحده في هذه اللحظة ، وأن الأنثى المتباهية بفتنتها هي وحدها التي تتكلم فيها !
فانطلقت أساريره بعض الشيء ، وقال معابثا هو الآخر :
= من يدري ؟ !

وأقبل الترام ، فركبا في مقاعد الدرجة الأولى ، وكانا وحدهما . وأحس انه يملك جوهرة ثمينة وأنه حارسها . وفتح الباب الفاصل بين الدرجتين ، ودخل كمسارى الترام . وهو رجل عجوز متهدم يتحامل على نفسه بجهد . دخل مطرق الرأس فنظر – كأنما إلى أقدامهما وحدها – وقطع تذكرتين ومد يده بها في فتور . وفجأة رفع رأسه وانتفض كالمأخوذ وهو يحدق في وجهها بشدة ، حتى لم ينتبه إلى اليد الأخرى التي تمد له النقود ، وتناول تذكرتي الترام . ثم تنبه إلى موقفه فانسحب مسرعاً وأغلق خلفه الباب ! .. ونظر هو إليها ، فإذا هي تغالب عاصفة من الضحك ، وعيناها تدمعان ، ويختلج جسمها كله في اهتزاز . فقال :
= مالك ؟
قالت – في تخابث فاتن :
= عاشق آخر ! أليس كذلك ؟
وكانت نكتة بارعة على غيرته الشديدة ، كما كانت زهو الأنثى بفتنتها التي تذهل حتى الشيوخ الفانين . وكانت لها هذه الجاذبية العجيبة حقاً . الجاذبية التي تكاد تتجرد عن الجنس .. لأن الكل يشتركون فيها : الشيخ والشاب ، والرجال والنساء .. حتى الأطفال !

وطالما لحظ مثل هذه الهزة التي انتابت الكمسارى الشيخ ، تنتاب الكثيرين والكثيرات ممن يلقونها في كل مكان .
لم تكن ممن يحسبهن العرف جميلات . كان تكوينها الجسدي – إذا استثنينا صدرها الفاتن – ليس ممتازاً . ولكن كانت هناك في وجهها جاذبية ساحرة . كانت خمرية اللون واضحة الجبين ، وفي عينيها وهج غريب تطل منه إشراقة مسحورة . وكان هذا الوهج أشبه شيء بالإشعاع الكهربائي المغنطيسي . ينبعث لحظة حين تشرق وتتوهج ، وينطفيء على التو حين تذبل وتنطفيء . وقد لا يمضي بين اللحظتين إلا مقدار ما تدير زر الكهرباء !
وكانت خطواتها القافزة الرشيقة الخفيفة ، وصدرها البارز الفاتن ، وهذا الإشعاع السحري الغريب ، لا تدع مجالا للفحص عن بقية تكوينها ، ولا تمهل الإحساس للتدقيق في شيء منها .

وكان يحسب نفسه يراها هكذا لأنه يحب ، ثم علم بالتجربة أن الجميع يقفون تجاهها هذا الموقف في كل مكان .


***



وفي الطريق ازدحمت المقاعد بالركاب . وأقبلت فتاة لم تجد لها مكاناً ، فوقفت تترنح وتهتز في الممر الضيق بين المقاعد ، فرأى هو أن يتخلى عن مكانه للفتاة . وبعد برهة لحظ على وجهها تغيراً ، فطأطأ يسألها : ماذا ؟
قالت هامسة :
= لا شيء ، إنها جميلة !
قال – وأدرك ما تعني وأحس له براحة لذيذة :
= من هي ؟
قالت :
= لا اعرف ، ( وهزت كتفيها في دلال زادها فتنة ) .
قال مداعبا في نشوة عميقة :
= هذه . وإلا الكمسارى العجوز ؟!
ولم تستطع أن تغالب الضحك ، فظل جسدها كله يترنج ، وهي تختلس إليه النظرة الضاحكة بين الحين والحين !


***


ودخلا دار السينما ، وجلسا متجاورين ، وهو يحس بسعادة تفيض بها نفسه ، فيود لو يعانق الكون كله ، وتحركت ذراعه اليمنى فطوقت ظهر المقعد ، وانزلقت عنه قليلاً فلمست ظهرها ، واختلجت هي اختلاجة خفيفة ثم استقرت ، ونظرت إليه متوردة راضية ، تمازجها الفتنة والإغراء . ولو كان النور مطفأ لصنع شيئاً آخر ، ولكن آدابه التقليدية لم تسمح له إلا بنظرة أودعها كل ما في قلبه من أشواق .

ثم أطفئت الأنوار ، وبدأت (( الجريدة )) وتحركت ذراعه قليلاً ، فسرت في جسده هزة ، ومالت هي إليه قليلاً فصافح شعرها خده ، وأحس بالنشوة فثمل ، وطافت برأسه الرؤى الغامضة في الفردوس النعسان !

وانتهت الجريدة ، وأعقبتها الرسوم المتحركة بمواقفها المضحكة ، فانتفضت ضاحكى كالطفلة ، وهي تتابع القصة في توفز ظاهر ، رده من حلمه المهوّم إلى يقظة طافرة ترقص فيها الحياة . وأعيدت الأنوار فأحس نقلة عنيفة من عالم إلى عالم ، وفرك عينيه – لا يدري أمن النور المفاجئ أم من النقلة المفاجئة – ثم أغمض عينيه بيديه واستغرق في أحلام !

ثم بدأت الرواية !

بدأت عادية في أول الأمر ، فعاد هو يضع ذراعه فوق ظهر المقعد ، ثم يحركها رويدا رويداً ، ثم يضغط بها ضغطاً خفيفاً ، فتستجيب له في بطء ، ينتهي بهما إلى حيث كانا في الفردوس النعسان !

ولكن يا للشيطان !

إن القصة لتأخذ في طريقها ، فتجري حيث تجري قصتها بالذات ! إنها قصتها ذاتها معروضة في شريط!

وأجفل عند الخطوات الأولى ، ولكن ذراعه تحركت حركة غير إرادية فضمتها إليه بشده . ويبدو أنها لم تكن لحظت بعد سبب رجفته ، فاستجابت إليه في لين وإغراء . ولو في غير هذه اللحظة لارتكب الحمقة التي يشمئز منها طبعه حينما تقع عليها عينه في دور السينما خاصة ! أما الآن فهو يصحو على الأشواك !

ولم تكن إلا دقائق حتى توالت المناظر والشواهد واللفتات على الشاشة ، فإذا هما وجهاً لوجه أمام قصتهما في الصميم ! قصتها بكل ما فيها من دروب ومنحنيات ومخاوف وشكوك . قصتهما . وها هي ذي الشاشة تواجههما بكثير من الهواجس والمشاهد التي كانا يهربان من مواجهتها في الحياة!


ولم يحاول في أول الأمر أن ينظر إلى وجهها ، ولكنه فيما بعد اختلس نظرة ليري قسماتها أمام هذه المواجهة القاسية ، فإذا هي تختلس إليه نظرة هي الأخرى ، فتقابلت النظرتان ، ثم ارتدتا سريعاً إلى الخفض والانكسار . وأحس كلاهما بكل ما جاش في نفس صاحبه ، فأدركه الدوار !


وفي هذه اللحظة وجد ذراعه تتراخى قليلاً فترتمي على ظهر المقعد ، ونظر فإذا رأسها المشرئب المتطلع يهوى ويسقط ، ويتخاذل متنها المنتصب ، فيتقوس في انحناء !


وهم ّ أن يدعوها إلى مغادرة السينما ، ولكن ريقه قد جف ، فلم يدر لسانه بكلمة ، واستمر ينظر إلى الشاشة ، وهو يحس الاختناق !


وبينما كانت القصة تسير كانا يحسان شيئاً فشيئا بانفراج الهوة بينهما ، وتقطع الأواصر التي تربطهما ، وفي كل خطوة كان يتكشف لهما المصير المحتوم ، ويشعران أن علاقتهما منخوبة ، وأن السوس ينخر في صميمها . وفي نهاية الرواية كانت البطلة قد عادت إلى حبيبها الأول . وكانت العلاقة بينهما قد انتهت كذلك .
لقد أحسا أن ما تم على الشاشة هو الذي تم في الحيـاة !


وأضيئت الأنوار فأحس بالدوار ، ووقف يستمع إلى النشيد الملكي ، بينما كانت لا تزال جالسة في خور ، فنبهها بغمزة فوقفت ، ثم تحركت الجموع للخروج فاندسا في غمار الجماهير ، ونسيا أنفسهما لحظة إلى الباب ، وخرجا من السينما صامتين ، وركبا الترام صامتين . وعادا إلى الدار في همود .


كان كلاهما يحس أنه لا يجد نفسه ولا يجد صاحبه ، وأن كل سبب بينهما قد انبتّ ، فلم تعد بينهما نقطة اتصال .


وكان كلاهما لا يجد ما يقوله ، ومع هذا كان يود أن بقول شيئاً يقطع به هذا الصمت البغيض ، الذي يثقل لحظة بعد أخرى ، ويخنق أنفاسهما كالتنين . ولكنهما في النهاية لم يجدا كلمة تقال .


كان خطيبها أمام أهلها وأمام الناس ، وكان أهلها لا يعلمون مما بينهما شيئاً ، ولا يجرؤ هو ولا هي على مكاشفتهم بشيء ، فكانا يصارعان الكارثة وحدهما ، ويتظاهران بالمرح والسعادة في جميع الأحوال !


أما في هذه المرة فقد أعياهما أن يتظاهرا بشيء ، بل أعياهما أن يتكلفا الابتسام الذي كان يسعفهما حين يفجؤهما أحد من أهلها وهما في زحمة الصراع .

ودخلا صامتين هامدين ، يتجسم في محياهما الهم والقنوط .


قالت أمها :
= أعوذ بالله ! ما لكما هكذا مكشرين ؟
وهنا فقط وجد كلمة يقولها :
= لقد كان الفيلم عنيفاً جداً
قالت :
= ولماذا تشاهدان هذه الأفلام الرديئة ، في هذه الفترة الحلوة من حياتكما ؟!



***



الفترة الحلوة !

هنا لم يطق صبرا على المواجهة ، وخاف أن تخونه الكلمات ، وأن تفضحه السمات ، فانفلت إلى حجرة النوم . ولم يكن عليه من بأس في أن يرتاد من حجر الدار ما يشاء . لقد كان في حاجة لأن يستلقي ويستريح ، كالرحالة المجهد المكدود في سفر طويل .

لم يخلع ملابسه ، ولم يخلع حذاءه ، فما كانت له بقية من قوة يؤدي بها هذه الحركات . لقد كان حسبه أن يلمح السرير لينحط عليه كالجدار المنهار .


وانقضت دقائق ، ومناظر الرواية أمام عينيه ، بينما ترن في أذنه كلمات الأم الطيبة القلب ، عن هذه الفترة الحلوة من الحياة . وينفلت زمام أعصابه ، فلا يستطيع أن يضبطها لمواجهة هذه المفارقات .


وفي هذه اللحظة تصل إلى سمعه من حجرة الجلوس نغمة البيانو . إنها تعزف ، إنه لحنه المحبوب ، لحنه المسحور .


لقد سمع هذا اللحن من قبل ، وسمعه كثيرا ، سمعه من تلك الفتاة نفسها ، سمعها تعزفه فاستعاده واستعاده ، وظل يستعيده في نشوة عجيبة ، حتى قالت له في دعابة ساحرة : لن أعيده مرة أخرى إلا لقاء أجر معلوم !


لم يكن يعرف اسم اللحن ولا عنوانه ، ولم تكن تعرفه هي كذلك . كان أستاذ البيانو قد حفظها إياه ، دون أن يذكر لها عنوانه . فما قيمة الاسم والعنوان ؟


إن هذا اللحن المجهول كان يستجيش ضمائره ويحرك خواطره ويثير في حسه النشوة والحلم واللهفة والانسياب . كان يصور نفسه في تلك الفترة التي لم يكن يعيش فيها على الأرض ، ولم يكن يحس إلا أن الحياة حلم ظافر سعيد .


لقد كان يحب . يحب هذه الفتاة التي تعزف ذلك اللحن وإنها لتعزفه بيدها وقلبها ، وبأعصابها وملامحها . كانت هي اللحن ذاته في صورة مجسمة . ولم تكن قد برزت من بعد تلك الأشواك ..

ثم ها هي ذي تعزفه مرة أخرى ....


وإنه ليسري إلى نفسه رويدا رويدا ، وينسكب في أعصابه رفيقا رفيقا ، وإن نفسه لتهدأ وتطمئن ، وإن أعصابه لتسكن وتستريح ، وإنه ليثمل ، ثم ينتشي ، ثم يرف في جو شاعري شفيف ، وإنه لينتفض بعد لحظة خفيفاً نشيطا ، وإنه لينفلت إلى حجرة الجلوس ملهوفا مشتاقا ، حتى إذا اقترب استرق السمع والنظر ، فإذا هي ، هي حلمه الجميل ، هي حوريته الهاربة ، هي .، ولا شيء سوى الماضي العزيز ، والثقة العميقة ، والحب المفتون ... هي .. وإنه ليطوقها من الخلف في لهفة ، فتبدو كأنما ذعرت للمفاجأة . المفاجأة التي كانت تنتظرها ولا شك بغريزتها العبقرية ، غريزتها الفطنة التي توحي إليها في هذه اللحظات بالذات بالعمل المفرد الوحيد ، الذي يجدي في مثل هذا الأوان .

هي . وقد وجدها . ووجد نفسه ، ووجد فيها ما يقال .


وإن الحب ليعود اللحظة يحلم ، وإن الحياة لهي في هذا الحلم الظافر السعيد !





.


.. العاصفة ..





جاء في اليوم التالي وفي نفسه شعور آخر . لقد حدث أمر جديد . لقيه صاحب له ، وهو زميل للضابط الشاب ، فقال : إنني سأحدثك في شأن يهمك واغفر لي تطفلي عليك ، فأنا أؤدي واجبي الذي أراه .

ولفتته هذه المقدمة ، وتوقع شيئاُ . قال :
= متشكر . قل ما تريد .
قال :
= لقد عرفت أنك خطبت فتاة من الروضة ؟
قال :
= نعم !
وأحس بشيء من الانقباض .
قال :
= إن لم تكن كتبت كتابك ، فأحب أن أطلعك على شيء !
وشعر بما يشبه العرق البارد . وقال :
= لا . لم أكتب كتابي . فقل ما تشاء !
قال : أنا أعرف أن هذه الفتاة صديقة زميل لي اسمه (( ضياء )) ..
وتكلف قلة المبالاة فقال :
= كيف علمت أن هذه هي تلك ؟
قال :
= لقد رأيتها معك أمس في السينما ، وكنت قد رأيتها معه من قبل في المعسكر ، فلما سألته عنها اليوم قال : إنك خطبتها ، ولأن لي بك صلة ، رأيت من الواجب علي أن أخبرك !
قال ببرود ظاهر :
= متشكر ....


وتركه .... ومضى !



***


العجيب أنه لم يشعر في هذه اللحظة بالألم المنتظر لمثل هذا البلاغ ! لقد خيل إليه أن الأمر انتهى فيما بينه وبينها . أحس أن ليس هناك ما يربطه بها . نسى الماضي كله في لمحة ، وقرر أن تقف صلاته بها عند هذا الحد ، ولم يشعر بأسف كبير على هذا القرار .
قال : انها رخيصة لا تستحق كل هذا الاهتمام ، وإنها إحدى فتيات الجيل اللواتي يعرفن هذا الشاب وذاك ، ويعبثن هنا وهناك ، عبثاً بريئاً أو غير بريء ، ثم يجدن في النهاية الزوج المطلوب ! إنها فاتنة – ولا شك – ولكن ما يعنيه هو من الفتنة ، وهو لا يريد العبث بها ؟ لقد أرادها له زوجا ، لأنه حسبها شيئا ثمينا عزيزاً ، لا تتداوله الأيدي ، ولا يُحصل عليه إلا من هذا الطريق ، فقرر أن يغالب ظروفه الخاصة ، وأن يحظى بالكثير ليحصل على هذا الشيء الثمين .
أما الآن ......!

ووجد نفسه يأخذ الترام إلى هناك ، ليُـنهي الأمر في يسر وسهولة ، وبلا كبير اهتمام .. وظل هذا العزم قويا في نفسه حتى واجه الدار . وهنا أحس بالصراع !


ولو واجهته في هذا اليوم كما واجهته صباح يوم الاعتراف ، ولو نظرت إليه عندما لقيته نظرة الأمن والاستسلام .. لوضعت حدا حاسما لهذا الصراع ، ولعادت إليه ثقته المفقودة ، وإعزازه العميق . ولكنها لقيتهُ جامدة ، وابتسمت ، ولكنها ابتسامة سطحية ، وأجلسته في حجرة الجلوس ، ثم غابت عنه بعض الوقت ، وجاءت أمها فسلمت عليه متهللة ، فلم يبادلها التهلل إلا بتكلف وعناء . ثم جاءت هي أخيراً ، ومعها الشاي ، وعرف أن غيبتها كانت لهذا الغرض ، إلا أن ذلك لم يسكب الرضى في نفسه ، ولم يشعره الارتياح .


وخيم على الموقف جو من الكمد ، لم يخفف منه ما كانت تحاوله الأم من ترحيب به واهتمام .


وأحس أنه مطعون في كرامته ، وجال في خاطره إحساس التعالي على الموقف ، ونفض يده منها ، كرد حاسم على اتجاهها مرة لسواه !

وكانت الأم قد انصرفت لشئون المنزل ، فقاده هذا الخاطر الشرير أن يقص عليها قصة الصباح ...

وفي نهايتها . كانت كالتمثال الشاخص . قالت في لهجة آلية :
= والآن لا يجوز أن تشقى بي ، وأن تهان من أجلي ( وخلعت خاتم الخطوبة ووضعته برفق على غطاء البيانو )
قال ، وقد عاوده الإشفاق والإيثار :
= هل توافقين اليوم على ما عرضته عليك من قبل : أن أخبرهم بما يريد خطيبك السابق ، وأن أمهد له الطريق ؟
قالت .. في استسلام :
= افعل ما تراه .... كله عندي سواء !



***


وبعد قليل حضر الوالد ، فأحس أن هناك شيئاً . وسأل : ما الخبر ؟ ... ومع أنه قد قرر كل شيء ، إلا أنه أحس بالعجز عن مصارحتهم بالموقف هكذا فجأة . فراح يحاول من بعيد .....
ومع ذلك لم يذكر إلا أن هناك ظروفا خاصة لا تجعل من الممكن أن يرتبطا ، وأنه قد تفاهم مع (( سميرة )) على إنهاء كل شيء في سكون ، وأنه وحده يحتمل تبعة هذا الموقف ، وهي بريئة مما صارت إليه الأمور !

ولم يكن هذا الإجمال ليرضي أحداً ، فالمسألة جد ، والناس قد عرفوا ، وموعد العقد قريب . وثارت الأم ثورة عصبية عنيفة .. لم تتمالك فيها أعصابها ولا لسانها . وانقلبت هذه السيدة الطيبة الوديعة من حال إلى حال . قالت له : لقد قال الناس من قبل عنك أنك لست جاداً في رغبة الزواج ، وأن ظروفك الشخصية تمنعك ، ولكنا لم نصدق . وها أنت ذا تسبب لنا فضيحة !

وأحس لهذه الكلمات بوخز الطعنات ، ولم يخفف من وقعها . ما حاوله أبوها من الهدوء وضبط النفس والتجمل والاعتذار عن زوجته بمرضها وعصبيتها .

وحاول هو أن يدافع عن نفسه ، فيفشي السر الذي أودعته الفتاة صدره ، ولكنه تراجع حينما سمعها تنشج في الحجرة المجاورة ، وتذكر استسلامها وتهالكها . وفجأة برزت من باب الحجرة في اندفاع جريء تقول :
= يا ماما . الذنب علي أنا ، وهو لا ذنب له ، فلا تشتميه !

وكأنما صُب على الحريق الهائل ماء بارد . فتخاذلت الأم لحظة ، وبهت الوالد وحملق في الفتاة .

أما هو فارتجت نفسه كلها ارتجاجاً ، واندفع في حماسة يقول :
= لا .. لا .. لا تصدقوها . إنها بريئة . وأنا وحدي المسئول !

وهنا ضحك الوالد ضحكة مريرة ساخرة وقال :
= ما هي الحكاية ؟ قولوا لنا . هل نحن في مسرح تمثيل ؟

قال هو :
= دعونا ننفرد ، لننهي أمرنا معا بعد قليل .


ولم ينتظر إذنا منهم ، فقد كانوا جميعا مذهولين . واندفع إلى حجرتها التي اعتكفت فيها ، فوجدها لا تزال تبكي ، ووجد في نفسه تغيرا ظاهرا ، فحاول أن يربت عليها ، وأن يشملها بعطفه الذي تجده منه في مثل هذه الظروف . ولكنها كانت جريحة . قالت له :
= لا تحاول شيئاً . لقد انتهى كل شيء . قل لهم الحقيقة ، لقد ضقت صدراً بهذا النفاق الذي نحاوله ، ومن حقهم أن يعلموا .. ولقد كنت أعددت رسالة أطلعك فيها على أنني لا أجد نفسي ، ولا أتبين اتجاهي ، وأنني أحس بثقل ساحق على ضميري ، وأنا أقفك هذا الموقف ، دون أن أخلُـص لك في هذه الفترة من الصراع . ولأنني لم أقو على أن أقول لك هذا كتبته لك في رسالة !

ولكنه تمالك فقال :
= وأين هي الرسالة ؟
قالت :
= لقد قلت لك كل ما فيها .
قال :
= أحب أن أراها مكتوبة .
فترددت هنيهة ، ثم دفعت إليه برسالة مطوية كانت تدسها في صدرها ، وجلست بعيدا عنه ، بينما راح يفض الرسالة ويقرؤها ، وتتوالى على سيماه أشتات من الانفعالات حتى أتى عليها جميعا . ثم دسها في جيبه دون أن تعارض في إبقائها له .



***


كانت الرسالة هي اعترافها الأول مكررا ، ولم يكن فيها جديد . ولكنه أحس بنكأة في الجرح ، ربما كانت أشد من الجرح نفسه : (( إنك بريء ونبيل ، رجل تشرف أي فتاة بأن يكون تاجاً لحياتها ، ولكنني أنا . أنا بنت شريرة (( ملوثة )) ، وأنت مخدوع في قيمتي ، فيجب أن أنبهك إلى أنك مخدوع ... الخ )) .

وجرحته كلمة (( ملوثة )) جرحاً شديدا . ومع أنه كان يعلم ماذا تعني بها ، إلا أن معناها الرديء قفز في هذه اللحظة إلى خاطره فأحس بالطعنة الرجيعة .

قال :
= والآن .. يا فتاتي العزيزة .. ماذا تريدين ؟
قالت :
= لا أرى إلا رأيا واحدا . قل لهم كل شيء ... وليكن ما يكون !
قال :
= ولكنني أخشى العاقبة ، ولا تطاوعني نفسي على أن أفشي لك سراً .
قالت في اندفاع :
= إنني انا التي تريد

وخيل إليه أنها تريد بهذه الفرقعة أن ترتد إلى حبيبها الأول . وأن تنيبه هو عنها في مصارحة أهلها بحقيقة الحال ، وأنها قررت في نفسها أمرا . وهنا ثارت كوامنه ، وارتد إليه شعور الصباح ، وفقد كل تسامح ورحابة . وكان مظهرها في اللحظات الأخيرة يشبه أن تكون متهللة بالموقف الأخير ، فكان كل أولئك مدعاة لأن يغادر الحجرة إلى حيث ينتظره الجميع .


***


ومع أنه ترفق في كشف الموقف ، وتجنب مواضعه المحرجة ، وجاء للموضوع من جانبه البريء : جانب خطبة الفتى الضابط للفتاة ، ثم تحمس في الدفاع عن موقف شاب وشابة يتحابان ....
إلا أن المفاجأة كانت أشد مما تحتمله أعصاب الجميع .

ثارت العاصفة ، وانقلب البيت على الفتاة وانتبذت هي من وجوههم مكانا قصياً .

أحس الوالد أنه طعن في شرفه وكرامته ، وأحست الأم أنها تواجه الفضيحة ، وتخسر رابطة وشيكة . وران على الأطفال ذعر صامت وهم يرون ولا يعلمون ! ولم يبق إلا هو ، يدافع عنها في حرارة ، وينفي ما علق بذهنهم عنها من انحراف !

ثم خيم على المنزل صمت كصمت القبور ، وانزوى كل في ركن لا ينبس بحديث .

وتقدم الليل ، وهم بالرواح كالمعتاد ، فأمسكت به وجلة ، وتوسلت إليه أن يبقى حتى الصباح . قالت : لمن تتركني هنا ؟ إنني منبوذة غريبة كما ترى ، وليس لي أحد سواك . لا هنا .. ولا في الدنيا كلها .... قل : إنك لن تتركني ولن تروح !

ولم يكن في حاجة لكل هذا التوكيد . لقد كان هو أشوق منها إلى تمضية كل دقيقة بجانبها . كان في نفسه مشاعر غريبة : شعور العطف والإشفاق ، وشعور اللهفة والحرمان ، وشعور الغيرة والغليان ، وشعور التسامي والإيثار ، وما لا يحصى من هذه الأحاسيس مجتمعات .

وكان كل من في البيت مستريحا لأن يقضي ليلته هناك . كان هو الصلة الوحيدة بين نفوسهم جميعاً ، بعدما قطعت الصدمة كل ما بينهم من الصلات .



***


بات يسمع أنفاسها في الحجرة المجاورة ، فلم يكن بينهما سوى حائط رقيق فيه باب مفتوح ، وكان يسمع تنهداتها في جوف الليل ، ويكاد يسمع وقع دموعها في سكون الظلام !

وكان يراها قريبة منه جداً ، بعيدة عنه جدا . كان يراها ملء يديه ، ثم ينظر فإذا يداه منها فارغتان !


وأوقد المصباح في جوف الليل ، وراح يكتب شعراً :

بيني وبينك خطوة :::: لكن عوالمنـا بعيد
ويداي فارغتان من :::: كنز به غنيَ الوجود


ثم تغالبه دموع قاهرة ، فيطفيء النور وينكفيء في سريره يغالب الدمع ما استطاع .


وفي الصباح كانت غائرة العينين ، صفراء غبراء ، كأنما انسلت من مقبرة . وكان مسترخي الجسم مهدودا .. مكدود الأعصاب .
قالت :
= كيف قضيت ليلتك ؟
قال :
= كما قضيت ليلتك !
قالت :
= يرحمنا الله !

ثم اتجهت إلى مرافق البيت ، وبعد قليل جاءت تدعوه . قالت :
= لقد سخنت لك ماء لتغسل وجهك ورأسك ، فإنك لمجهد ، والجو شتاء ، وللماء الدافيء قيمته في مثل هذه الأحوال ... اقترب أصب لك الماء !

ولكنها لم تدعه يغسل وجهه ورأسه . لقد دبت فيها حيويتها الكامنة من خلال الذبول ، فراحت تدعك له عينيه بالصابون ، وتدس أصابعها في شعره تخلله ، وإنها لتقول في دعابة ساحرة :
= لتكن انت ابني اليوم ، كما كنت بنتك بالأمس يا أبتاه !

فشل في لإقناع أهلها بالرأي الذي ارتآه ، وهو يستروح في هذا الفشل ريح الانتصار ، وفشل في إقناعهم ببراءتها التي عادت له فيها ، وفشل في استعادة الرضى عنها بطبيعة الحال ، واستمرت تلقى منهم الوخز والإعراض ، وتسمع منهم الغمز والإيلام ، وتجد نفسها بينهم في غربة وإذلال ..

قالت له :
= لقد وقع ما كنت أتوقع ، ولست صلح لك الآن رفيقة حياة . أحس في أعماق نفسي أنني لست في مستواك . ولن ألحق بذلك الآخر لأن كرامتي تأبى علي هذا ، كما يأباه شرف هؤلاء الساخطين ! ولن أنتحر لأن الانتحار جبن وعار . ولن أطيق الحياة في هذا البيت بعد الآن !
قال :
= وماذا اعتزمت إذن يا بنيتي ؟
قالت متألمة :
= لن اعدم وسيلة للحياة الشريفة . سأشتغل خادمة في احد البيوت . وإنني لماهرة في التدبير المنزلي كما تعلم !

وأحس بنفسه تتذاوب عطفا عليها ، وألما لها ، ووجدا بها .
وقال :
= لقد نسيت أن لك بيتا آخر ، يرحب بك ضيفة لا خادمة
قالت وهي تهتز من الانفعال :
= كلا ! .. إن قبلتني خادمة ، فخذني إليك منذ الآن !

ضمها إليه في رفق ، وربت عليها في عطف ، وقبل جبينها في حنان ، وقال :
= كلا يا بنيتي .. بل – إذا سمحت – رفيقة حياة .
قالت مغالبة النشيج المكتوم :
= أ و تقبلني بعد كل ما كان ؟ ( واستسلمت للبكاء )



***


لبس ملابسه وخرج مع والدها .

وقال له الوالد بعد أن غادرا الدار . وكأن حادث الأمس كان كابوسا انتهى ، فعاد كل شيء جديداً :

= دع كل هذا الهراء الذي تقوله (( سميرة )) والذي تقوله أنت أيضاً . إننا ننتظرك في موعد الغداء !

قال :
= لا أستطيع الغداء ، فلا بد أن أعود إلى الدار ، فالبيت مشغول على مبيتي الذي لم أتعوده . ولكنني سأحضر آخر النهار .

وعاد فوجد اتفاقاً بين الجميع على تناسي العاصفة ، وعلى أن تسير القصة كما كانت من قبل تسير . وعاد للفتاة إشراقها ، وبدت كالناقهة من وعكة ، تستنشق نسيم الحياة في لهفة وارتياح . وأحس انها خلصت له بعد هذا الإعصار ، وأن جرحه الذي أدمته الأشواك قد اندمل وطاب . وخيم على الجو نوع من الود العطوف والطيبة النقية والسلم والوئام ! .





أنثى ...




باتت سهراته ليلية في دارهم ، فما كان يستطيع مقاومة الإغراء الذي يقود قدميه كل يوم إلى هناك . ولم تكن كل أويقاتهم صفواً ، منذ أن برزت في حياتهما الأشواك ، ولكن شيئا لم يكن ليستطيع أن يقف هذا التيار الجذاب .

كان ينتظر الموعد اليومي ملهوفاً ، ويذهب إلى هناك فيجدها كذلك ملهوفة . وقالت له في يوم تأخر عن موعده : (( كم خفت ألا تأتي الليلة . إنني هنا غريبة بين أهلي ، بل غريبة في الحياة كلها حين لا أراك ))

وكانت غريبة حقا . فأهلها جميعاً طيبون نفوسهم بعيدة عن التعقد والتركيب ، وهي عقّدتها الأزمات النفسية والأشواك ، وعقدتها صحبته ومناقشاته ، وعقدتها القراءات التي كان يزودها بها ويحضها عليها ، وعقدتها التوجيهات النفسية التي كانت تتلقاها عنه وهما في السينما أو في غير السينما .


ولم تكن هي الغريبة وحدها في هذه الدار ، فلقد كان هو أيضاً غريبا فيها ، فإذا غابت عن المجلس لحظة شعر بالفراغ ، وكثيرا ما كان هو وإياها يشعران بالوحشة في حضرة هؤلاء الناس الطيبين فينسحبان إلى حيث ينفردان! .


وافتقدها ليلة فقام يبحث عنها في حجرات الدار . ودخل حجرة النوم ... وكانت مفاجأة .

مفاجأة لن يتهيأ لها من قبل أبداً .



كانت الليلة مقمرة ، وللحجرة نافذة يطل منها القمر ، فيضيئها ذلك الضوء القمري الشفيف . وكانت واقفة دون أن توقد المصباح اكتفاء بهذا الضوء الفضي الشفيف . كانت واقفة بجوار السرير تبدل فستانها وحينما دخل الحجرة كانت قد خلعت ولم تلبس ... ووقع نظره للمرة الأولى عليها بالملابس الداخلية ... وكانت لحظة رهيبة ! .

كانت تربيته الأولى في بيئة محافظة متطهرة ، وكان قد انصرف في حياته إلى نوع من الجد لا يسمح له بالعبث ، وكان الشعر والفن قد صانا خياله من التلوث ... وكان هذا كله يبعده عن المرأة ، ويصيبه بلون من الربكة والاضطراب حين يلقاها وجها لوجه أيا كانت طبقتها وسنها .

فلما وُوْجه بالفتاة التي يحبها ، شبه عارية ، كان ذلك مضـاعفاً لخجله وارتباكه . ولكن عينه تقع على منظر فاتن في ضوء القمر الشفيف ، ولليل المقمر وجوه ، وللوحدة المغرية جوها . إنما هو في الوقت ذاته يشعر لهذه الفتاة بلون من القداسة ، وهو كذلك غير مستعجل ولا متسرع ، فهي له ، وستصير كلها إليه .

.... كل هذه النوازع المتشابكة في لحظة واحدة جعلته يقف برهة مسمراً . ألف جاذب يجذبه إلى الإقدام ، وألف دافع يدفعه إلى الإحجام . وبوغتت هي فارتبكت كذلك ، وبدلا من أن تلبس الفستان الثاني ، انكفأت على نفسها ، وطأطأت رأسها ، وحنته على صدرها ، فكانت في وضعها الجديد أشبه بتمثال فاتن في وضعه الفني الجميل !

وأخيراً غلبه ماضيه كله فتراجع ، وهو يتمتم : لا مؤاخذة ...!



***


ومضت فترة طويلة لم تعد فيها إلى المجلس ، وقدم بعض الزائرين والزائرات من أقاربهم ، وهم كثيرا ما كانوا يحضرون هذه الليالي ، استطلاعا لحال الخطيبين ! .. فلقد كان الحسد العائلي والفضول النسوي يدفعانهم للحضور . فتضيع الليلة في تكلفات سخيفة وأحاديث تافهة ... ثم ينصرفون .


حضروا ، فساد المنزل جو غير جوه . وأحست هي أنهم قد حضروا فقدمت بعد قليل ، ولكنها قدمت باهتة منطفئة ، يغشاها شيء من الانكسار .

وعجب هو لهذه الظاهرة ، وعزاها إلى أنها خجلة مما كان ! .. وجلس متضايقاً ، فسرى الضيق منه إلى الآخرين . وبعد فترة همّ بالانصراف تخلصاً من ثقل الجو ، فبدا على الزائرين الارتياح ، لما أحسوه من ضيق لا يبشر بخير !


وأمسك به أبوها وأخوها ، وتشددت أمها في دعوته للبقاء . ونظر إليها هي فلم يجدها تدعوه ليبقى ، فلم يستجب للدعوة ! .. وعندما وضعت يدها في يده وهو ينصرف أحس ببرودة روحها وفي أناملها أيضاً .. فخرج ضيق الصدر مغموماً !


***


ومضى يوم لم يجد في نفسه نشاطا ولم يذهب للزيارة كالمعتاد . وفي اليوم التالي كان جالسا في مكتبه كالعادة ، حين رن جرس التليفون ودعى للكلام .
قالت :
= أنت اليوم تعرف صوتي ولا بد !
وتهلل وجهه ، وانتفضت كل ذرة فيه ، وأجاب :
= طبعاً ، لقد حفظته !
قالت :
= ألا تحضر حتى تستدعى بالتليفون ؟
وارتبك لحظة ثم أجاب :
= لا .. كنت متعبا في ليلة الأمس
قالت :
= متعب أو غضبان ؟ أظنك ستأتي الليلة على كل حال !
قال :
= طبعا سأحضر الليلة كعادتي !
وسلمت وسلم ، وانقطع الحديث ، وانطلقت في كيانه موجة من النشاط .



***


وفي المساء كان يقصد إلى الدار ، وليس في خياله إلا صورتها المرحة الوثابة ، وإلا صوتها الشجي الطروب . واستقبلته متهللة ، وقبل أن يجتاز الممر وراء الباب – وكانت يدها لا تزال في يده –
قالت :
= كنت الليلة خائفة ... ولكم تمنيت لو تجيء في الظلام !
وأحس أن الدنيا لا تسعه من الفرح ، فضغط يدها بحراره ، فتأودت وهي يشد يدها في يده ، وبدت فتنة جارفة لا تحتملها الأعصاب !


وانطلقت بعد قليل إلى البيانو توقع عليه اللحن المسحور ، فغمرت روحه نشوة عجيبة ، وانسربت خواطره تراود أحلاما ذهبية ، وأحس بسعادة تضيء روحه بنور وهاج ، وتحلق به في واد من التيه بعيد .


وبعد أن استعادها مرة ومرة ، على عادته كلما سمع اللحن المسحور ، أعلنت في دعابة ساحرة أنها لم تعيد العزف ، ونهضت واقفة وانفلتت من الحجرة كالحورية الهاربة . أو كالغزال الشرود . وكان معه في الحجرة أبوها وأمها وأخوها الشاب ، ورآها تذهب نحو مرافق المياه ، فتظاهر بعد برهة بأنه ذاهب إلى المرافق – وكانت له الحرية في أن يذهب ويروح حيثما يشاء – وكان يفصل المرافق عن الحجرات ممر طويل ضيق ...

وفي منتصف الممر قابها راجعة . ولا يذكر أنه رآها كما رآها هذه الليلة . كانت متوهجة يخيل إلى الرائي أنها تتوقد ، كما يخيل إليه أن كل نفسها منافذ ، تتلقى منها الأضواء والأصداء ، وتشع منها الطاقة والحرارة ! .

ونسي المنزل ومن فيه – وهم على مقربة منهما – وراح يضمها إليه في شوق عارم ، ويهوى على شفتيها في لهف حرور ، وأحس انها تتذاوب فيه ، وتتفانى بكاملها ، وأنها تستجيب له بكل ذرة فيها ، وأنها تتلاشى وتتداخل وتتهاوى .

ومضت فترة لم يكن يعي فيها شيئاً ، ولكنه لا ينساها أبداً !!! مضت هذه الفترة ، وإذا هي تثني جيدها إلى الوراء وقوامها في يديه ، فتواجهه بنظراتها الجاهرة ، وتقول في دعابة ساحرة :
= الرجل وراءنا ! والله أناديه !
ولم يكن يملك إلا أن يضمها إليه في عنف ، وهي تسكب في نفسه أحلى رحيقها المذخور بهذه النظرة وتلك الفتنة .. ثم تملصت منه ، وانفلتت تجري ... وعاد هو إلى الحجرة نشوان ولكنه تعبان ! عاد فجلس ، ولم يلحظ أحد منهم عليه شيئاً ، ولو تنبه أحدهم إلى عينيه لرآهما تقطران نشوة وسكرا .



***


وغابت عنهم فترة طويلة ، ثم عادت وقد هدأ كل هذا النشاط ، وسكنت كل هذه الفورة ، وبدت مطفأة خابية .

وصدمه هذا الانقلاب صدمة عنيفة . وخيلت له أوهامه أن هذا ندم منها على ما وهبت له ، وأنها لا تزال تعد نفسها لحبيبها الأول ... كانت كل معرفته بالمرأة من الأوراق ....!!!

ووجم ، وثقل عليه الجو ، فشاع في المجلس كله الوجوم ، وبخاصة وقد تقدم الليل ، وداعب عيونهم النعاس .

وانتهز فرصة انفرادهما بعد قليل في الممر ، فراح يفسد كل شيء قال لها :
= يبدو انك نادمة على ما أعطيت
وهزت رأسها : أن نعم .
فلم يحاول أن يفهم إلا أنها تعني ما تقول !
قال :
= تريدين أن تكوني له خالصة !
وجرح هذا كرامتها ، فلم ترد أن تتقهقر .
قالت :
= أي نعم !
وغاظه ذلك جداً . ولم يحاول أن يفهم غلطته في سوق هذا الحديث إليها الآن .
قال:
= لن أعيدها مرة أخرى .... اطمئني !
قالت في برود :
= تحسن صنعاً !
وأفلت منه قياد نفسه ، ولم يعرف كيف يدير الكلمات ، قال :
= لا يزال أمامك أن تختاري . فالفرصة بعد لم تضع !
وتظاهرت بعدم المبالات . وكانت عادتها حين تجرح كبريائها . وقالت :
= والفرصة أمامك كذلك لم تضع ، وتستطيع أن تتصرف بكامل حريتك !

وهنا فقط أحس أنه أخطأ في إدارة الحديث من أوله ، وأنه استجاب لهواجسه التي لا زالت تختلج في ضميره ، وأنه دفع بها إلى مكابرة لا مفر لها منها .
فقال :
= لندع الحديث الآن ..

وعاد إلى الحجرة يستأذن للخروج . ولم تحضر هي لتسلم عليه .. فدعتها أمها ، فحضرت متثاقلة ، ومدت إليه يدها باردة فسلم وانصرف وملء نفسه ظلام .


التوقيع

 

   

Digg this Post!Add Post to del.icio.usBookmark Post in TechnoratiFurl this Post!
رد مع اقتباس
 

 
 
قديم 07-04-2006, 12:50 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
AlAsOllA
شخصية هامة
 
الصورة الرمزية AlAsOllA
 

إحصائية العضو




AlAsOllA غير متواجد حالياً

المستوى: 44 [♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥♥ Bأ©-Yأھu ♥]
الحياة 322 / 1075

النشاط 1063 / 10962
المؤشر 0%

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 12
AlAsOllA is on a distinguished road

افتراضي


 

.. العذراء الأم ...




.... عاد إلى داره موحش النفس مظلما كئيباً ، تجثم على صدره الكآبة ، ويغشى نفسه الوجوم ... وفي أعماقه سؤال غامض لا يسمح له بالظهور والوضوح : تراه أخطأ طريقه في هذا المشروع كله ؟ وأن هذه الفتاة ليست له ، لا هي ولا فتيات القاهرة جميعا ؟ إنه يتطلب في فتاة أحلامه مفارقات لا تجود بها الحياة . يتطلب الحورية القاهرية المغمضة العينين . يتطلب الفتاة العذراء القلب والجسد ، في زي قاهري ، ويتطلب فيها الحساسية المرهفة والشاعرية المتوهجة ...
ومع هذا كله طيبة القلب وصفاء الروح .،!

تراه أخطأ الطريق فطلب الحورية العذراء في بنت من بنات القاهرة . أم تراه أخطأ الطريق من أوله ، فطلب حياة زوجية لا تصلح له بحال ؟

وفي مثل هذه الهواجس ، التي كان يصاحبها في نفسه .. هم ثقيل وهمود كئيب .

قطع الطريق الطويل بين دارها وداره ، حتى إذا وصل لم تكن فيه بقية من النشاط للصراع والتفكير فاستلقى مهدودا فنام ! .

وأصبح الصباح فإذا هو يجد له نفسا جديدة غير التي نام بها . لقد صحـا وفي نفسه صفاء هاديء وصوفية شفيفة ... إنه يعطف على الفتاة عطفا هادئا رفيقا . لقد صارعت أشواكها وقاومت ماضيها ، ولقد ألقت بنفسها بعد هذا كله إليه ، مجردة من كل ستار ، عارية من كل رداء . وبالأمس ألقت بنفسها كلها إليه ، واستسلمت لأحضانه .. أنثى كاملة تستسلم للرجل الذي تختاره ، فما باله لا يزال بعد هذا كله يذكرها بالأشواك ، ويحيطها بالشكوك ، ويحرجها بالاتهام ؟ لها الله ! .

وأحس عندئذ بالصفاء الهادئ يفارقه ، وبالصوفية الشفيفة تتخلى عنه ، وأجدّت له هذه الخواطر شوقا جارفا شديدا ، ورأى نفسه يعبر عن هذا الشوق بشعر حار ملهوف

وحينما جاء موعده اليومي كان قد أنفق كل رصيده من الصبر ، فانطلق إلى الدار ترف كل جوارحه هوى إليها ، وصعد السلم قافزا لاهثا . فلما كان أمام الباب وقف يلتقط أنفاسه قبل أن يضغط زر الجرس ....

وجاءت الخادم ففتحت الباب ، وبيدها الطفل الصغير – أخو الفتاة – وكان يحبه حبا جما لخفة دمه ، ورشاقة حركته ، وحلاوة حديثه . وكانت الخادم خارجة به للرياضة في منتزه قريب .. فتناوله بكلتا يديه ، وقبله قبلة حارة عنيفة ! ثم سأله عن (( سميرة )) ،
فقال الطفل في شيء من التخابث :
= عايزها ؟
= أيوه
قال :
= كانت تبكي ...
ولا يدري كيف استقبل هذه الكلمة ؟ تألم لها ما في هذا شك . ولكنه شعر بارتياح غامض .... تبكي ؟ إذن في نفسها من حديث الأمس بقية . وإن بكاءها ليؤلمه ، ولكن أوَلا يدل هذا على أن المسألة في نفسها باتت جداً ، وأنه يؤذيها ما يثور في نفسه حولها من شكوك ؟

وتنبه لهذا الشعور في نفسه فعده شعورا أثيما ! .. أوَ يريحه أن تتألم الفتاة لمجرد استيثاقه أن الأمر بينهما قد صار جدا ؟! ثم يزعم أنه يحبها ؟ يحبها أو يحب نفسه ؟ ومع ذلك يصف نفسه بالإيثار !


وبينما كانت هذه الخواطر تجول في نفسه كان يندفع في الدار منادياً :
= سميرة .. سميرة .. أين انت يا سميرة ؟

ولقيته أمها فسلمت عليه ، وفي قسماتها شيء من الانكسار ، ونادت بدورها عليها :
= سميرة .. تعالي .. إنه جاء !

وأحس من هذا أن عدم مجيئه اليوم كان متوقعاً ، وأنه قد دار بشأنه حديث . وعـاوده الشعور المبهم المختلط .... وأقبلت سميرة .

ونظر فإذا هي مكدودة ، تغيم عليها سحابة من الأسى . ولكنه قد حضر برصيد نفسي ضخم من الحماسة والطلاقة . فراح يجلو هذه الغاشية بنشاطه وطريقة حديثه والتفاتاته وحركاته ، واستجابت الأم لهذا فبدا عليها الانشراح . أما هي فكانت في نفسها بقية لا تزال ، ولكنها كانت خيرا مما لقيها أول مرة ...

وطلب منها أن تعزف له دوره المحبوب ، ولكنها تمنعت حتى كادت أمها تغضب ، فاستجابت لها ، وكان عزف هذا الدور يكفي لإحداث جو آخر .

وخرجت الأم – وقد راقها الجو الجديد – لتشرف على الشاي والفاكهة !

ولما اختلى بها قالت له في رزانة :
= يا سامي . إنك مظلوم معي . ومن واجبك أن تبعد عن طريقي . إنه مليء بالأشواك !
وحاول أن يطمئنها بشدة ، فأخذ يدها بين يديه وضغطها مربتا وقال :
= أرجو يا سميرة أن تغفري لي اندفاعاتي ، فأنا رجل جرح مرة ، فدعي لي فرصة تندمل فيها جروحي ، كما تركت لك فرصة تنتزعين فيها أشواكك .
وأدركت ما في لهجته من صدق وعمق فقالت :
= معك حق .. معك حق .. ولكنني مع هذا بدأت أخاف !
قال لها في توك