هذه الحادثة وقعت لي و الى الآن لم أنساها أبدا...
كنت أقل حافلة متوجهة من مدينة إلى أخرى و كان السفر ليلا و تستغرق الرحلة حوالي 8 ساعات.. و في المحطة وجدت رجلا و برفقته عجوز تبلغ حوالي 60 سنة أو أكثر المهم أن الرجل حينما رآني بمفردي تقدم مني و بعد أن حياني سألني ما إذا كنت مسافرة بمفردي فاستغربت السؤال و قلت له لما تسأل؟ فابتسم و أجابني أنه يود ما إذا كنت مسافرة بمفردي أن أجلس أمه بجانبي و أن أهتم بها لأنها مسنة و مريضة و لا يستطيع اصطحابها و أن أخاه في المدينة المتوجهين إليها سيأتي لتسلمها.. المهم أني وافقت بكل سرور و ركبت أنا و العجوز الحافلة أجلستها بجانبي و صرت أهتم بها و أحاول قدر المستطاع أن أوفر لها الراحة فأعدل مقعدها و أسكب لها الماء و أحادثها حتى لا تحس بالقلق و التعب و كانت بدورها تحادثني عنها و عن أبناءها و حياتها و كانت في منتهى الطيبة و الحنان حتى أني أحببتها كثيرا و كانت دائما تنصحني بألا أثق في أحد و ألا أبالغ في الطيبة كانت تقول " يا ابنتي حاذري من الناس ولا تثقي بأحد و كوني ذئبا حتى لا تأكلك الذئاب" و أنا كنت أسعد بكلامها و أحس بالحب فيه فكنت أجيب "الله يستر يا جدة"
بعد سفر دام أكثر من ثلاث ساعات توقفت الحافلة في استراحة تدوم نصف ساعة تقريبا لتناول العشاء فعرضت على السيدة التي أهتم بأمرها ما إن كانت تود النزول لكنها رفضت و طلبت مني أن أحضر لها قطعة خبز و جبن فقط لأنها ليست جائعة و غالبا لا تتعشى ليلا و بكل فخر سرعان ما عدت إلى السيدة و بيدي لمجه وعصير لها سعدت كثيرا و بدأت تأكل بشراهة حتى أني سألتها لو كانت ترغب بالمزيد أن أنزل و أحضر لها لكنها رفضت..
انطلقت الحافلة و كان يفصلنا عن الوصول 4 ساعات و نصف و تفاجأت بالعجوز تسألني لو كنت أرغب في النوم بأن أسند رأسي على كتفها و أنام فابتسمت و قلت لها أني لا أريد النوم و تركها بمفردها لكنها أصرت و قالت أن ابنتها الوحيدة كانت لا تنام إلا عندما تسند رأسها على كتفها و أني في مقام ابنتها و طلبت مني أن أمدها بحقيبتي الشخصية كي تخفيها عندما أنام حتى لا أضيعها و قد فعلت و نمت نوما عميقا كأني بسريري و ما فقت من نومي إلا مع صوتها تطلب مني أن أستيقظ لأننا قربنا من المحطة... استيقظت و نظرت من شباك الحافلة فلم أرى أضواء كثيرة و نظرت إليها باستغراب قائلة "أنت تمزحين فنحن لم نصل بعد أكيد أنك مللت من الجلوس بمفردك و تريدين أن توقظيني كي أتحدث معك" فقالت " لا يا ابنتي فأنا سأنزل في هذه المحافظة حيث أن ابني يسكن هنا" استغربت و قلت لها "لكن ابنك الذي سلمك لي أعلمني أن ابنك الآخر يسكن بالمدينة و سيحضر لاستلامك" فابتسمت و قالت" انه لا يعرف شيئا فكل الأماكن بالنسبة له مدن" سلمتني حقيبتي و ودعتني لكني ألححت بأن أنزلها و أسلمها لابنها لكنها رفضت بشدة و مانعت قائلة أني كنت في منتهى الطيبة و تشكرني كثيرا عما فعلت معها و مضت في حال سبيلها... بقيت مستغربة كثيرا من نزولها في ذاك المكان حتى أني لم أشاهد أحدا في الخارج عندما نظرت من نافذة الحافلة و كذلك لماذا منعتني من النزول معها و الاطمئنان عليها...
كثير من الأسئلة راودتني لكن قلت في نفسي أكيد أن الابن مخطأ و مؤكد أن الابن الآخر يسكن ذلك المكان فلا تجرأ عجوز على النزول بمفردها في مكان مظلم كهذا..
بقيت مطولا أشاهد الخارج من النافذة و بعد مرور أكثر من ساعة عن رحيل العجوز تناولت حقيبتي و فتحتها لأتناول شيئا أحتاجه و كانت مفاجأتي كبرى بل صدمتي أكبرحيث أني لم أجد أي شيء بداخلها و كانت تحتوي على مبلغ لا بأس به من المال و علبة مصوغ و لم تترك لي سوى أوراقي الشخصية..